التشكيل بالموضوعات الرومانسية في شعر بيربال محمود
هارون رشيد عزيز1* و رشاد كمال مصطفى 2
1 مجلة جامعة دهوك، رئاسة جامعة دهوك، جامعة دهوك، إقليم كوردستان-العراق. (harunjj1982@gmail.com)
2 كلية التربية، جامعة عقرة للعلوم التطبيقية، إقليم كوردستان-العراق. (rashad.kamal@auas.edu.krd)
تاريخ الاستلام: 06/2025 تاريخ القبول: 08/2025 تاريخ النشر: 12/2025 https://doi.org/10.26436/hjuoz.2025.13.4.1657
ملخص:
الهدف من هذا البحث هو الكشف عن الموضوعات الشعرية الرومانسية البارزة التي تشكلت بها عدد من قصائد الشاعر الكوردي الأربيلي بيربال محمود (1934-2004 م)، وهو من الشعراء الكورد المعاصرين الذين كتبوا الشعر باللغة العربية إلى جانب اللغة الكوردية. لقد مارس تجربة شعرية استمدت غناها من مواقفه نفسها تجاه الأحداث والطبيعة والإنسان، تناول موضوعات رومانسية حملت مواقفه الخاصة في معظم توجهاته. اعتمد البحث على المنهج الموضوعاتي للكشف عن الثيمات المهيمنة على بعض قصائده، والمنهج الأسلوبي لإبراز سمات تلك الثيمات الفنية وجوانبها الدلالية التي تعد من الظواهر المهمة في شعره. أما أهمية البحث فتكمن في تسليط الضوء على شاعر كوردي رومانسي لم ينل حقه من الدراسة والبحث. يتضمن البحث تمهيدا حول التشكيل الشعري الرومانسي والموضوعات الرومانسية، ومدخل مع أربعة مطالب، المطلب الأول، الحنين إلى الماضي، والثاني، الحب والغرام، والثالث، اللجوء إلى الطبيعة، أما المطلب الرابع، فقد سلطنا الضوء فيه على موضوع النزعة الإنسانية، وختمنا البحث بأبرز النتائج التي توصل إليها.
الكلمات المفتاحية: التشكيل، الرومانسية، بيربال محمود، ديوان صادح الفردوس.
1. المقدمة
إن الرومانسية ظهرت كردة فعل ضد الكلاسيكية في الغرب، وقد أثرت على الأدب العربي، فكان لظهورها في الأدب العربي الأثر الفاعل لبلورة مدارس أدبية عربية جديدة مثل مدرسة أبولو ومدرسة المهجر.
من الشعراء الكورد الذين تأثروا بالمذهب الرومانسي والشعراء العرب الرومانسيين الشاعر بيربال محمود، فقد اهتم بالشعر المهجري، وتأثر بشعراء مدرسة أبولو، لذا نجد المظهر الرومانسي واضحا في شعره.
لقد اتخذنا من ديوانه الشعري (صادح الفردوس) عينة ونطاقا لموضوع دراستنا حول شعره، إذ ركزنا على نماذج من القصائد التي هيمنت عليها الموضوعات الرومانسية، فحاولنا دراستها بالنقد والتحليل. لبيان جمالياتها وسماتها الدلالية.
وأخيرا ارتأينا أن تسهم هذه الدراسة في تسليط الضوء على شاعرية شاعر كوردي نظم شعره باللغة العربية ولم ينل حقه من الدراسة والاعتناء. لنبين مدى إسهام الكورد في خدمة الثقافة الإسلامية والعربية عامة والأدب العربي خاصة.
1-1-الدراسات السابقة:
1-شاعران من أربيل: الدكتور عثمان أمين صالح، مديرية مطبعة الثقافة، أربيل-العراق، ط1، 2008.
2-مظاهر رومانسية في شعر بيربال محمود-ديوان همسة العشاق أنموذجا-: الدكتور رشاد كمال مصطفى والدكتور قاسم محمود محمد، مجلة زانكو للعلوم الإنسانية، مج 27، ع SpB، 2023 م.
1-2-أسئلة البحث:
1-ماهي أبرز الموضوعات الشعرية الرومانسية في شعر بيربال محمود؟
2-ما علاقة هذه الموضوعات بنفسيته وتجربته الشخصية؟
3-ما مدى تأثره بالموضوعات الرومانسية العربية؟
1-3-فرضيات البحث:
1- بروز الموضوعات الشعرية الرومانسية في شعره.
2-الكشف عن علاقة هذه الموضوعات بتجربته الشخصية.
3-تأثره بالرومانسية العربية من خلال الموضوعات التي تناولها.
2-التمهيد التشكيل الشعري الرومانسي والموضوعات الرومانسية:
إن التشكيل الرومانسي يعني التماسك والترابط الجمالي لعناصر شعرية مميزة ومخصوصة بالرومانسيين، فإن الشاعر الرومانسي يسعى إلى التجديد في اللغة الشعرية، متجاوزا في ذلك التقاليد التي ورثها عبر استخدامه لأساليب شعرية تجنح نحو التعبير عمّا هو ذاتي وعاطفي. (مصطفى ومحمد، 3، 2023)، لذلك فإن "جمالية الحداثة في الشعر مرتبطة في بعض وجوهها ومرجعياتها ومستنداتها بتجريبيتها ...وتتجلى تلك المحاولات التجريبية، فضلًا عن التغييرات المفهومية المرتبطة بماهية الشعر ووظائفه وابعاده، في جل الطرق والوسائل الرامية إلى تجديد بنية القصيدة تجديدا يرمي إلى تجاوز المترسب وإلى كسر القوالب الجاهزة، والتمرد على الأشكال النمطية والأنموذجية". (قيسومة، 36، 2013).
لعل من "أهم تمظهرات تلك البنية التشكيلات البصرية المرئية، التي حاولت بطرق مختلفة أن تلائم بين صورها، ومرجعياتها على ضوء التقارب الحاصل بين الشعر وكل مجالات الفن التشكيلي ...فلا بد أن نقرّ بالثراء المذهل التي تتميز به القصيدة الحديثة على مستوى مرجعياتها وأدواتها كما على مستوى غاياتها ومقاصدها، لا سيما أن الشاعر الحديث ما عاد يلتزم بالنسق أو بالنموذج السائد بالضرورة، وإنما صار يسمح لنفسه بعدد لا متناه من الانتهاكات والتجاوزات، والاستلهامات الشخصية". (المصدر نفسه، 37-38، 2013).
إن الرومانسيين "رائدهم القلب، وغايتهم البحث عن مواطن الجمال، والجمال وحده عندهم مرآة الحقيقة التي ينشدون، يقول ألفريد دي موسيه معارضا بوالو... لا حقيقة سوى الجمال، ولا جمال بدون حقيقة، فكل كاتب رومانتيكي وعواطفه وما يهديه قلبه إليه من مشاعر وخواطر... لذا يتغنى الرومانتيكيون هياما بجمال النفوس عظيمة كانت أم وضيعة". (هلال،13، دت). لذلك فإن في أدب الرومانسيين "اتسع المجال للأحلام، حتى صارت مشغلة لعقولهم، وجانبا هاما من جوانب شخصياتهم، وموضوعا خصبا لفلسفتهم". (قيسومة، 83، 2013)، فكانت "لغة الأحلام أسرع وأقوى تعبيرا وأفسح مجالا من لغة اليقظة، فهي أكثر منها تلاؤما مع طبيعة الروح، ولغة الأحلام لغة طبيعية، تنبعث من ذات أنفسنا، وبينها وبين العالم الخارجي صلة أوثق من صلة ذلك العالم بلغة الكلام، لأن لغة الأحلام لا تستخدم اللغة التجريدية في العبارات التي اصطلح عليها الناس، بل تستخدم الصور والأشكال، وهي نفس الطريقة التي تظهر لنا بها الأشياء الخارجية"، (المصدر نفسه، 83-84، 2013).
من الأساليب التي اتخذها الرومانسيون في تشكيلهم الفني لقصائدهم هو الخيال، إذ يرون "أن الخيال يكشف نوعا ما من الحقيقة، فعندما ينشط الخيال يرى أشياء يعمى العقل العادي عن رؤيتها، وأنه يتصل اتصالا وثيقا بالبصيرة أو الشعور أو الحدس، وإن الخيال والبصيرة لا ينفصلان في الواقع وإنما يكوّنان موهبة واحدة في كل الأغراض العملية، فالبصيرة توقظ الخيال لتعمل، وهو بدوره يزيد حدتها عندما ينشط، وهذا هو الغرض الذي كتب الشعراء الرومانسيون على أساسه". (عثمان، 63-64، 2017)، فكان لملكة الخيال لدى الرومانسيين الدور الفاعل في كثير من أعمال الشعراء "ويحقق الخيال لديهم عنصر اللذة، لأنه ينقلهم من حاضرهم المقيت إلى ماضيهم الذين يحلمون به... ولم يكن الخيال الرومانتيكي مصدر تشاؤم دائما، بل كان أحيانا مصدرا للتفاؤل... ويلعب الخيال دورا فاعلا في خلق الاغتراب المكاني والاغتراب الزماني لدى الرومانتيكيين، ومن هنا وجدنا الأديب الرومانتيكي كثير التجوال من مكان إلى مكان، كثير التقلب من بيئة إلى بيئة يحلق في أجوائها بخياله، ويختار له بيئة مغايرة ينفس بها عن قلقه وضيقه ويجد فيما يتصوره من فسيح رحابها متنفسا له". (الحمداني، 99-100، 1989).
كذلك نلحظ العاطفة من الموضوعات الرئيسة في أدب الرومانسيين وفي التشكيل الرومانسي، ومن أبرز أدواتهم في تشكيل قصائدهم هو الحب "وإذا اتخذ الحبّ عند الرومانسيين أهمية خاصة؛ -فمرد ذلك-إلى غلبة العاطفة على العقل والإرادة، غلبة الحياة العاطفية على المظاهر الأخرى للشخصية، وذلك طابع جوهري للنفس الرومانسية ...نجد الكاتب الرومانسي يخبر القارئ باللقاءات، وباعترافات الحبّ وبمشاهد الغرام، في ملابساتها واطارها، وإن مثالية العديد من الرومانسيين كانت تكسو الحبّ نبلا وسموًّا، وترى فيه شكلا من أشكال عبادة الله تعالى أو الطبيعة، وتجعل منه دينا، لقد كان لهذه العاطفة بسبب طابع القداسة هذا الحق بمكانة الصدارة في الأدب الرفيع". (عثمان، 61-61، 2017).
كما كانت للمرأة في الأدب الرومانسي المكانة الكبيرة، لم تظفر بمثله من قبل، فقد "أدّى السموّ بالعواطف والصدق فيها إلى نوع من تقديس المرأة والإشادة بها والخضوع لسلطانها، ولم يكن خضوع ضعف بل كان مصدر صدق للعاطفة، وأحست المرأة بمكانتها في ذلك الأدب، وأجمع معظم الرومانسيين على أن المرأة مَلَك هبط من السماء ليطهر قلوبنا". (المصدر نفسه، 62-63، 2017).
لعل الذين مالوا إلى الاتجاه الرومانسي "من أخلص أبناء الطبيعة وعشاقها؛ فهم عميقو الإحساس بها، عميقو الحب لها والاتصال بها؛ يرون في كل ما فيها أشياء حية: تحب وتكره، تسعد وتشقى، تفرح وتحزن، وترجو وتخيب، وهم لذلك يناجونها، ويستلهمونها، ويتمثلون بها، ويبثونها آمال قلوبهم وآلامها، وأشواق نفوسهم وحيرتها، وهي توحي إليهم بالحنين، إذ تذكرهم بما كانوا يجدونه من جمالها الفتان في ربوع بلادهم، وتوحي إليهم بالتأمل العميق في أسرارها، وما أبدع الله تعالى فيها من معجزات تحار فيها العقول، وتوحي إليهم بالنوازع المهذبة والأفكار السامية، وبالأخيلة البعيدة كأطراف الأفق، المترقرقة كالجداول المنسابة، اللطيفة كأنسام أيار، والرحيبة كصفحة الفضاء. (الناعوري، 98، 1977).
كما أن الشعر الرومانسي "ينزع إلى التحرر الوجداني والفرار من الواقع والتخلص من سيطرة الأصول الفنية التقليدية للشعر، ومن هنا وصف بأنه أدب الثورة والتحرر والانطلاق والحرية... وتبرز في الشعر الرومانتيكي ظاهرة (الأنا) (الذاتية) (الفردية) (التجربة الخاصة)... وتأتي مع الفردية، العاطفة القوية والهياج والحساسية المفرطة بحيث تستحيل حالة نفسية من الكآبة والشعور بالأسى والحزن وتدخل فيها لفظة السوداوية... وقد نتج عن بروز ظاهرة (الأنا) في الشعر الرومانتيكي ترجمة لانطلاق النفس ووثبتها والضيق الشخصي بالأفعال المعبرة". (الحمداني، 105-106، 1989).
هكذا فالتشكيل الرومانسي يعني الإبداع الحر، ويتميز بالانفعالية والوجدانية العالية، فضلا عن النزعة الذاتية، وهو بعبارة أخرى ينزع إلى تحطيم القواعد المتوارثة عن الأدب الكلاسيكي، فيتوسع الرومانسيون في استخدام الألفاظ استخداما يقوم على تراسل الحواس، فيتحدثون عن السكون المشمس وبياض اللحن وعطر النشيد، ويشخصون الجمادات والمعاني المجردة كالبلى والحزن والسأم والوجد، فإذا بها تتحرك وتقوم وتنسج، ويمعنون في التعاطف مع المدركات والمعنويات حتى يبدو أنهم يفنون فيها ويذهلون عن ذواتهم، وديدنهم في هذا كله أن يرسموا تصويرات كلية أو جزئية متناغمة يعبرون بها عن انفعالاتهم ومواقفهم، وهم ما انفكوا مستغرقين في حالة الوجد التي تكاد تجعلهم يبدون كالحالمين أو أصحاب الرؤى، فأخيلتهم مجنحة والرموز تستغرق تعبيراتهم. (علي، 33، 2015).
ما نخلص إليه هو أن التشكيل الرومانسي اتخذ من التجديد في اللغة الشعرية مرتكزا عبر الاعتماد على أبرز التقنيات أو الأدوات، ومنها: الأحلام، الخيال، العاطفة، الذاتية، االأسلوب...الخ، للتعبير الوجداني والتأثير في المتلقي، مما جعل من التشكيل الرومانسي تشكيلا جماليا، وأصبحت القصيدة الرومانسية أشبه باللوحة الفنية.
3-التشكيل بالموضوعات الرومانسية في شعر بيربال محمود
مدخل: سنحاول في هذا المبحث الوقوف عند بعض قصائد الشاعر بيربال محمود التي تشكلت بأبرز الموضوعات الشعرية لدى الرومانسيين واتسمت بها وفق المنهج الموضوعاتي في دراستنا وتحليلنا لتلك القصائد ما أمكننا ذلك.
إن أغلب الدراسات النقدية تتفق بأن "المقاربة الموضوعاتية هي المنهج الذي يهتم بدراسة أو تتبع الموضوع الأساسي في العمل الأدبي أيا كان نوعه وجنسه، لذلك فإن كل التعاريف تقريبا تتفق في كون المقاربة الموضوعاتية تهتم بالموضوع"، (خديجة وفاطمة، 9، 2019)، فإن الموضوع "هو النقطة المركزية التي تنطلق منها وتعود إليها عناصر الكون الإبداعي". (حسن، 39، 1990).
كان اصطلاح الموضوعاتي أو الثيمي "اصطلاحا انطباعيا إلى حد بعيد، استعمله ج. ب. ويبر...في معنى خاص مطلقا إياه على الصورة الملحة والمتفردة والمتواجدة في عمل كاتب ما، من ثم، ينظر إلى اصطلاح الموضوعاتي حسب منطق التماثل، ويبرز سر الموضوعاتي في الإبداع عبارة عن حدث ينتج من جراء صدمة تعود إلى أوائل الشباب-إن لم نقل طفولة-الكاتب، وتحدد الموضوعاتية عند ج. ب. ريشار... في شكل هوية سرية ذات مستويات متعددة ترتبط بالتجربة الخاصة للوعي التأملي، أو الخارج-تأملي". (علوش، 6، 1989).
لعل الرومانسية هي أول الروافد الأدبية للمقاربة الموضوعاتية، فقد رأى الرومانسيون في العمل الشعري تعبيرا عن أنا الشاعر، الخيال عصب الكيان الشعري، وعنهم أخذ الموضوعاتيون، فإن مهمة النقد الموضوعاتي تتمثل في القيام بتحليل النص الأدبي باعتباره وعيا فنيا يمثل وعي المبدع، فتوحدت الموضوعاتية مع الرومانسية في النظر إلى الأدب باعتباره ينبثق عن تجربة، ومنتج معنى يؤثر في الحياة، وبالقول بفعل وعي الذات، والمغامرة الروحية، والتعبير الأصل عن الكون الخيالي الذي ينتمي إليه المبدع، فالفن قبل كل شيء وفق المنظور الرومانسي ليس بناء شكليا بل تأتي أهميته من قدرته على توليد تجربة ما وإنتاج معنى ما يؤثر في الحياة. (خديجة وفاطمة، 40، 2019).
كما أن "التحليل الموضوعاتي للنصوص الأدبية يعني الكشف عن ذلك التناغم الذي يصنعه الموضوع والذي تشكله وتلونه الوحدات الكلامية الملونة للنص أو لمجموعة من النصوص، أو هو بشكل من الأشكال بحث في علاقة اللفظ بالمعنى للوصول إلى معنى المعنى أو الغرض". (المصدر نفسه، 47، 2019).
نحن إذ نتناوله بدراسة الموضوعات الرومانسية الغالبة على شعره لاحظنا بأن موضوع الحنين، والحب والغرام، والطبيعة، والنزعة الإنسانية هي أبرز الموضوعات التي تشكلت بها قصائده، لذا سنحاول دراسة وتحليل كل موضوع من هذه الموضوعات على حدا بغية الوصول لمعانيها ودلالاتها وأبرز سماتها الجمالية.
3-1-المطلب الأول الحنين إلى الماضي:
إن الحنين هو موضوع من الموضوعات التي طرقها الشعراء قديما وحديثا، وقد ضرب فيه الشعراء بسهم وافر، لأنه تعبير عن عاطفة إنسانية صادقة، ويرتبط في الغالب بتجربة الغربة، وإننا إذا نظرنا إلى الحنين كظاهرة في الشعر فسنجده طاغيا على الشعر العربي عامة، وكثر تداول الحديث عنه من قبل النقاد، فمعظم قصائد الغزل أو الرثاء أو وصف الطبيعة أو البكاء على الأطلال أو غيرها تضمنت في طياتها معاني الحنين، إذ يمتاز الحنين كما ذكرنا بالعاطفة الصادقة، وكذلك بالأحاسيس الحزينة المتأججة، فهو تجربة شعورية خاضها الشاعر القديم معبراً عن شعوره بالفقد وإحساسه بالاغتراب من خلال أشعاره الرقيقة التي لا يكاد يخلو منها أدب أمة من الأمم، إذ نجد شعراء العرب قديماً، كانوا يبدؤون قصائدهم بالحنين والتشويق، والوقوف على أطلال الديار، وهذا نابع من ترحلهم المتكرر، وكانوا أصحاب خيام يحملونها أينما حلوا، يطول ترحلهم ويقصر عند بعضهم، والقاسم بينهم، تذكر الديار، الذي نلمحه في بداية قصائدهم، ومقاصدهم تختلف، فطريق أهل البادية، ذكر الرحيل والانتقال، وتوقع البين، والإشفاق منه، وصفة الطلل والحمولة، والتشوق بحنين الإبل، ولمع البرق ومرد النسيم، وذكر المياه التي يلتقون عليها، والرياض التي يحلون بها. (الريح، 3، 2017).
فإن هذه الظواهر الطبيعية هي المحرك البارز لقرائح الشعراء، وأهم موثبات الأدب وبواعث الشوق والحنين الكامن في دواخل النفوس، فإن "لهذا الشعر خصوصية تنطلق من طبيعة الحياة العربية نفسها ومما أحاط بالذات الشاعرة، إذ كان الشاعر العربي يبدو خجولا يغلب جانب الحياء والمحافظة، ويظهر التجلد والسلوان ونسيان الحب والحبيب حتى يمر بمعلم أو ظاهرة تخرجه من صمته المصطنع فيتجلجل صوته صداحا يملأ الكون إبداعا صادقا محتشما رغم بساطة وسائله المستقاة من الظواهر الفطرية للطبيعة، وقد كانت الظاهرة الشعرية نفسها فيضا من مشاعر تلك الذات العربية وأحاسيسها، وصورة لبواعثها النفسية التي هيأت أبعاد تلك الشخصية ومنحتها ملامح إبداعية أصيلة". (خيري، د ص، 2025).
إن موضوعات الشعر الرومانسي تحددت بما يتصل "بالعواطف الفردية، لموضوع الحب، والمشاعر الدينية ذات الطابع الفلسفي والصوفي، وكذلك شملت شؤون الحياة اليومية التي تمس الأسرة، وحاجات الطبقة المتوسطة والفقيرة ووصف الطفولة والأطفال... كما تشمل الطبيعة والماضي القومي والعصور الوسطى والمسيحية والفلسفة المثالية والعناصر الخارقة والموت والخرائب والقبور والأمور الشيطانية الأحلام واللاوعي، وبهذا يكون الموضوع في الشعر الرومانتيكي قد تجاوز أطره الخاصة التي عنيت بالطبقات العليا التي تتجسد فيها مثلها وأعرافها". (الحمداني، 106، 1989).
كما أن الحنين إلى الماضي من الموضوعات البارزة عند الشعراء الرومانسيين، لا سيما شعراء المهجر فقد "ظهرت هذه الظاهرة في عصرنا الحاضر عند الشعراء العرب في ظل الأحداث السياسية والاجتماعية والآلام النفسية الفردية في البلاد العربية، ومن أكثر المدارس الأدبية العربية التي برزت في شعرهم ظاهرة الحنين هي مدرسة المهجر، فالشعر المهجري لا ينفصل عن الشعر العربي، ويعد مرحلة من مراحل تطوره، ومن أبرز ما عرف به الأدب على وجه العموم والشعر على وجه الخصوص في المهجر هي الروح الرومانسية فكان شعرا متميزا في الدعوة إلى التحرر والنزعة القومية والنزعة الإنسانية، وذلك بعد أن شعر المهجريون بالغربة عن وطنهم الأم فكان أن ظهر الحنين في أشعارهم وقد تألموا كثيرا لما من كوارث". (أحمدي وآخرون، 151، 2012).
أما الشاعر الرومانسي بيربال محمود فقد تأثر بالاتجاه الرومانسي وبمدرسة المهجر الرومانسية السمات، وتشكلت العديد من قصائده بموضوع الحنين، ولعل ثيمة الحنين إلى الماضي والحنين إلى الوطن من بين أنواع الحنين المتعددة التي طغت على شعره، والغاية من الشعور بالحنين والاغتراب هي "إعراب الشاعر عن همومه وآلامه ولا شيء آخر، فحنينه إلى الماضي في حقيقته عبارة عن نواح مرّ متواصل يوحي لنا بالوفاء لذلك الماضي الغابر، ولدى النظر في قصائده... يلمح الباحث في طياتها صورا متنوعة لهذا الاغتراب الذي يطفو بلواعج النفس وشدة الاشتياق مع حرقة وأسى، وهذه الصور ماهي إلا تعبير عن غربة مكانية وزمانية، ولا تخلو في الوقت نفسه من شفافية، وأحاسيس رومانسية". (صالح، 35، 2008)، وعند الانتقال إلى شعره نجد بأن رومانسية الحنين مهيمنة عليه، حيث يتجلّى لنا موضوع الحنين في العديد من قصائده، ومنها قصيدة (بكائية) التي يقول فيها:
لستُ يا ماضي أبكي لفصوصٍ من لآلــــي
لم أقف منها على فصٍ لكي أُحسن حــــالي
أو لأنّي كنت تواقاً إلـى نـيــلِ الـمـعــــالـي
صرتُ أَحيا في بلادي مثلما يحيا الجوالـي
لستُ أبكي لزجاجاتِ العطورِ والغوالــــي
عطّرتني، عطرت حتى خِلالي وخِصالـي
أو لأنّي كُنت صداحاً بآفاق المجالـــــــــي
فغدوتُ الآن نواحاً بأعماق الليالــــــــــــي
(محمود، 84-85، 2023).
يبدو أن هذه القصيدة تعبر عن تجربة مريرة عاشها بيربال محمود، تحمل في طياتها نوعا من التحدي والأسى معا، فإن القصيدة تحمل طابعا وجدانيا تأمليا، حيث يُظهر موقفه من الماضي، مؤكدا أنه لا يتحسر عليه من أجل متع مادية أو طموحات دنيوية ضائعة، بل يعبر عن ألم داخلي أعمق، ناتج عن واقع قاس يعيشه في الحاضر، رغم نبل تطلعاته السابقة.
إن أول ما يطالعنا من هذه القصيدة هو العنوان، الذي يوحي إلينا بالحزن والبكاء على زمن مضى، فالقصيدة تتناول موضوع الحنين إلى الماضي، والبكاء على الماضي والحنين إليه هي سمة بارزة لدى الشعراء الرومانسيين، وأخص منهم شعراء المهجر، فإن "في هذا الحنين أنتج لنا المهجريون شعرا رائعا عبقريا، سيبقى زغرودة في فم الأيام، لما ينصح به من حنين مشبوب، ووجد صادق، وما يزخر به من عاطفة محتدمة، وخيال ساحر". (الناعوري، 80-81، 1977)، لكنها هنا ليست مجرد بكاء على الزمن الفائت، بل تأمل عميق في قيمة الذكريات والتجارب التي مر بها الشاعر، فيبدأ برفضه للبكاء على ما فقده من أشياء مادية (اللآلئ، العطور، الغوالي)، مؤكدا أن ما يؤلمه ليس فقدان تلك الأشياء المادية، إذ لم يملك منها شيئا أصلا يحسن به حاله، بل خسارة أشياء أكثر عمقا، كالمجد والطموح، كما أنه يعبر عن شعوره بالاغتراب في وطنه: (صرتُ أحيا في بلادي مثلما يحيا الجوالي)، إذ صار يعيش كالغريب رغم انتمائه إليه، مما خلق إحساسا بالحزن والخذلان، وكأنه مهاجر وغريب يقيم في وطن آخر مما يوحي إلى فقدانه لشعور الانتماء والاستقرار، فإن خيبة الأمل حولت حياته في وطنه إلى حياة تشبه حياة المتشرد، ثم يصف تحوله من شخص متفائل، منطلق، يعبر عن أفكاره بصوت عال: (صداحا) إلى شخص كئيب منطو، لا يسمع إلا أنينه في ظلام الليل، كما أنه يرفض استدعاء الماضي للتفاخر بالأيام الخوالي: (لأيامي الأوالي) أو استرجاع الأمجاد، وكأنه يقول: لن اتغنى بماض لم يترك لي إلا الحسرة، كذلك ينكر أن الماضي قد ترك له أثرا مشرقا أو فتح له سبلا للنجاح، أو أنه قد أناره وسط عتمة كفاحه، ثم يختم المقطع بخاتمة قوية وحاسمة، يقسم فيه بالله تعالى أنه لم يفكر في كل تلك الأمور المادية أو التفاخرية، مما يعزز صدقه وعمق إحساسه، ومن خلال استخدامه للنفي بكثرة في هذه الأبيات أو في القصيدة بصورة عامة (لست أبكي، لا وحق الله، لا ولا) يؤكد بأنه لا يندب الماضي كما قد يُظن، بل يتذكر ذلك الماضي بوعي ونضج، فضلًا عن ذلك نجد بأنه اعتمد على الطباق بين (صداحا، نواحا) مما يبرز بأن هنالك تحولا من القوة إلى الضعف مما يعكس تقلبات الحياة، ومن خلال أسلوبه السردي المباشر الخالي من الزخرفة الزائدة، يمنح القصيدة صدقا وتأثيرا كبيرين، فنجد سيطرة مشاعر الأسى وخيبة الأمل من الحاضر، والاعتزاز بالنفس رغم كل الانكسارات، والنفي القاطع لكل مظاهر التفاخر بالماضي، مما يعكس وضوح الرؤية وصدق التجربة، فإن هذه الأبيات لوحة وجدانية رائعة، تنطق بلسان إنسان جرب الحلم، ثم اصطدم بالواقع، لكنه رغم كل ذلك لم ينس قيمه أو التخلي عن كبريائه، فإنها ليست مجرد رثاء للماضي وإنما صرخة وجود في وجه حاضر متعب، ثم يكمل القصيدة فيقول:
إنما أبكي لحبٍ طاهـرٍ كـان حـيـالــــي
وزمانٍ كنت فيه أتولى احتفالــــــــــي
بطريفٍ من نشيدي ولطيفٍ من خيالي
وأنيسٍ كان في الجَّهرِ مُناي ومَنالــــي
هاهُنا كُنت أليفاً لَه ما بين الدَّوالـــــــي
وأُناجيه كصفاقِ روابينا العوالـــــــــي
وأبٍ شيَّعتهُ ما ذاق شيئاً من حلالـــــي
(محمود، 85، 2023).
في هذه الأبيات قد تعمق البعد الوجداني وتحول من تأمل عام في الماضي إلى بكائية شخصية حميمية، تجمع بين الحنين، والفقد، والوصية، إذ ينتقل بيربال من خطاب عام عن الهموم والخذلان في المقطع السابق، إلى خطاب شخصي عاطفي يتمحور حول حب نقي وماض دافئ، وكذلك ذكريات والده الذي كان قد رحل عن الدنيا، تاركا في قلب الشاعر وصية، وفراغا لا يُملأ، إذ يبين الشاعر أن بكاءه ليس على ما فات من زينة الدنيا، بل على (حب طاهر) في زمن كان فيه يحتفل بذاته ووجوده وحنانه ودفئه مع هذا الشخص، فقد يقصد بهذا الحب الطاهر خطيبته التي فقدها في ليلة زفافهما. (المصد نفسه، 8، 2023)، أو ربما حبه لوالده الذي توفي على حين غفلة وهو في ريعان شبابه. (صالح، 7، 2008)، ثم يعبر الشاعر عن حالة صفاء داخلي، إذ كان ينشد ويبدع، وكان له أنيس يشاركه تلك اللحظات في العلن دون خوف أو خجل، وهذا الأنس شكل غايته وسعادته، وبعدها يصور تصويرا جميلا للمكان والحميمية: (ها هنا كنت أليفا له)، إذ كان الشاعر مأنوسا بالقرب منه، ويناجيه، كما تتناغم أصوات الروابي العالية، وكأن المكان والطبيعة كلها كانت تشاركه وجدانه، وفي قوله: (وأب شيعته) يظهر الهوية الحقيقية لهذا (الأنيس) وهو والده الذي يرثيه بأنه مات طاهرا ونزيها، لم يمد يده إلى شيء ليس من حقه، عاش شريفا ومات دون أن يتمتع بخيرات ابنه أو يشاركه ثمار حياته، كما انه يصور لحظة خاصة بينه وبين والده: (جئته ذات صباح) يحمل في قلبه سؤالا، ربما عن الحياة، أو الموت، أو المستقبل، فدعاه والده للجلوس أمامه كأنها لحظة وصية أو وداع، ولكن في البيت الذي يليه تأتي لحظة الوصية واضحة ومؤثرة: (أجلي فيما إذا جاء) فالأب يعلن عن قرب أجله، ويوصي ابنه أن يحافظ على صلة الرحم، وعلى اسمه وذكراه: (ولا تقطع حبالي) تحمل في طياتها نداءً عاطفيًا وفكريًا عميقًا، وكأنه يقول: لا تتركني أنتهي، استمر بي، وفي: (صل حبال النسل) استعارة قوية، تشير إلى معنى الاستمرار، والحياة، والبقاء بعد الموت، وهي وصية رمزية وحسية معا، أو ربما يقصد الماضي نفسه، الذي أعطاه نصيحة بالبقاء متصلا بجذوره ولا يقطع صلته بالأجيال، ونستطيع القول بأن هذا المقطع يعد قلب القصيدة، حيث يتحول البكاء من فكرة مجردة عن الماضي والخذلان، إلى حزن عميق على الفقد الحقيقي (الأب، الحب الطاهر، الوصية الباقية)، إذ يمتزج الشعور بالألم مع الوفاء، وتمر لحظة الوداع من خلال مشهد حميمي فيه إجلال وتقدير وشعور بالمسؤولية، ويختم قصيدته بقوله:
أنت يا ماضي يا مُشرق حليّ وارتحالي
أنت لوعُدت إليَّ مع أيامي الخوالـــــــي
لولِدتُ من جديدٍ وانطلقتُ من عقالـــــي
وعلوتُ لسماءٍ فيه مجدي وجَلالــــــــي
فالتَّمني رأسُمالِ الخائبِ، لا رأسُمالـــي
(محمود، 85-86، 2023).
نلحظ هنا خاتمة مفعمة بالتأمل والحكمة، وتعطي القصيدة بعدا وجوديا وفلسفيا عميقا، فيعيد خطابه للماضي: (أنت يا ماضي) لكن بنبرة أكثر صفاءً وهدوءً، فقد تحول من الرفض المطلق للماضي-في بداية القصيدة-إلى نوع من التصالح أو الاعتراف الضمني بجمال بعض لحظاته، فيصفه بأنه زينة: (حليّ)، لكنه أيضا ارتحال، أي أنه مؤقت وزائل، ويعترف بأن الماضي كان مشرقا حين تزامن مع: (أيامه الخوالي) أي أيام الطفولة أو الصفاء، ويشير إلى أن الماضي لو عاد لعاشه بشكل مختلف، وربما تحرر من قيود منعته سابقا من البروز أو الوصول إلى ما يستحقه من مجد وعلو، فإن: (عقالي) هنا ليس مجرد الغطاء التقليدي، وإنما هو رمز للقيود أو الالتزامات الاجتماعية والفكرية، كما أن: (علوت السماء) تعني تحقيق طموح كان مكبوتا، ويختم المقطع الأخير بخاتمة مؤثرة تختزل كل الصراعات الداخلية، فيقر بأن الركون إلى التمني وحده دون أفعال هو سمة العاجز أو الخائب، ويؤكد بأنه لا ينتمي إلى تلك الفئة، فهو ليس ممن يعيشون على الأوهام، وإنما يرى بأن الرؤية الواقعية والفعل هما سبيله في الحياة، فإننا لو نظرنا نظرة شمولية للقصيدة بأكملها لوجدنا بأنه ينفي أولا البكاء على الماضي بسبب متاع الدنيا أو الطموحات المادية، ومن ثم البكاء الحقيقي على الحب الطاهر وفقدان الوالد، وذكريات الطفولة المضيئة، وبعد ذلك يختم بلحظة مصالحة جزئية مع الماضي، مع تأكيد على التعلق المرضي به، لأنه زائل، ولأن التمني وحده لا يعيده ولا يصنع المستقبل.
من خلال تحليلنا للقصيدة من الناحية الموضوعية والأسلوب لاحظنا بأنها تأمل في التغيرات التي طرأت على الحياة والشعور بالاغتراب والخذلان، فهو يؤكد بأن الماضي لم يكن مجرد زمن، بل كانت حالة شعورية ومعنوية مليئة بالقيم والطموح والحب الصادق، وفي النهاية يرفض التمني كوسيلة للعودة إلى المجد، إذ أشار إلى أن العمل هو السبيل الوحيد لاستعادة النجاح والمكانة الحقيقية، فقد حملت في طياتها رسالة مزدوجة، الأولى: هي أن الحنين إلى الماضي الجميل ليس خطأ، وإنما يجب ألا يكون عائقا في طريق التقدم، والثانية: هي أن النجاح لا يتحقق بالتمني، بل بالعمل والإرادة، فقصيدة (بكائية) قصيدة وجدانية مؤثرة تعبر عن تجربة ذاتية، لذا فقد تشكلت القصيدة بموضوع الحنين إلى الماضي وحملت أبعادا فلسفية وإنسانية عميقة.
إذن نلاحظ بأن الثيمة المهيمنة على القصيدة هي الحنين إلى الماضي النقي والجميل، لا من أجل زخارفه ومكاسبه المادية، بل من أجل القيم والمعاني الروحية والإنسانية التي ضمها، فهي التأمل في معنى الفقد والحنين والنضج، حيث يتحول الإنسان من الغضب والخذلان إلى الاعتراف بجميل الذاكرة، ثم إلى الاستقلال عنها بالموقف والفكر، فالقصيدة (بكائية) حقا، لكنها ليست بكاءً سلبيا، بل تأمل فيه اعتراف، وحنين، ووصية، ثم حكمة، لتقول في النهاية: لا التمني يعيد ما كان، ولا الماضي يجب أن يقيد الخطى، فالمستقبل لك إن تحررت من قيودك.
وهكذا فقد تشكلت قصائده تشكيلا رومانسيا تضمنت أبرز موضوعات الرومانسية التي تناولها شعراء المدرسة الرومانسية ومنها موضوع الحنين، كما أن هنالك العديد من القصائد الأخرى في ديوانه التي تشكلت بموضوع الحنين إلى الماضي وكذلك الحنين إلى الوطن وغيره من موضوعات الحنين قد حملت طابعا رومانسيا واضح التأثر بالاتجاه الرومانسي ومدرسة المهجر وشعرائها الذين تغنوا بموضوع الحنين وهي إحدى مميزات هذه المدرسة الشعرية.
3-2-المطلب الثاني الحب والغرام:
منذ أواسط القرن العشرين صار الحديث عن الحب والغرام في الشعر العربي أوسع من أن يصنف، لأن "الشعر الذي يعبر عن الحب، لم يعد ينقل عاطفة مفردة بسيطة، وإنما ينقل غابة متشابكة الغصون من العواطف والمشاعر". (عباس، 175، 1978).
فإن "عاطفة الحب التي أودعها الله فينا هي من أجمل العواطف الإنسانية وأنبلها وأعمقها أثرا، فهي منطلق كل خير، وهي-بكل تجلياتها وامتداداتها-الطاقة الملهمة للإنسان والمحركة له، ولا نبالغ بالقول: إن عاطفة الحب هي التي تعطي الإنسان معنى إنسانيته، لأن الإنسان بدون حب هو صخرة صماء". (الخشن، 13، 2014)، ولا ريب بأن "العاطفة القوية الصادقة هي التي تجعل الأدب قويا والشعر نابضا بالحياة، فهي من النص الأدبي بمنزلة الروح من الجسد، فيها يسمو الأدب ويخلد الشعر... فالعاطفة الصادقة هي التي تؤجج في الأدب شعورا متدفقا، وإحساسا عميقا، ونشاطا فكريا وذهنيا، فينبض الأدب بالحياة، والحياة فيه هي الصدق العاطفي والفني، فيرتفع إلى سمو الغرض، وشرف الهدف، ووضوح المعنى، وينقاد اللفظ سهلا خفيفا على اللسان، ويجري رقيقا عذبا، كالماء العذب الرقيق، والينبوع الثر الصافي". (صبح، 118-119،1980).
كما سيظل موضوع "الحب بمعنى رؤية الجمال وضروب الصراع في الحياة والمشاعر هو الملاذ الأخير، لأنه وحده رابطة الحياة". (عباس، 184، 1978)، بينما يرى الدكتور عز الدين إسماعيل أن موضوع الحب بالنسبة للشاعر المعاصر إنما هو "جرعة تخدير للذات، إنه موضوع تشغل الذات به نفسها حتى تترسب أحزانها في القاع، وحتى يبدو كل شيء جميلا وسارّا في هذا الوجود". (إسماعيل، 370، د ت).
إن العاطفة عند الرومانسيين "هادٍ صادق لمعرفة الواجب والقيام به، فالفاضل الحق هو الذي يرجع إلى ضميره وشعوره في أداء واجبه لا إلى عقله وتفكيره، والحب عاطفة من وحي الطبيعة الصادقة... فلم يعد الحب عاطفة جارفة من عواطف القلب، بل صار لدى الرومانتيكيين فضيلة من الفضائل... وكل حب صادق بطبيعته فيما يرون طاهر... ولذا كثر في أدب الرومانتيكيين دعوى الحبيبين أنهما سيلتقيان أمام الله تعالى، بعد أن فرقتهما مزاعم المجتمع". (هلال، 167-168، د ت).
من الرومانسيين "من يسمو بمعنى الحب إلى أبعد من ذلك، فيعتقد أن الحب في معناه الأصلي هو الجذب، وهو عام في كل المخلوقات، إلا أنه يبلغ الحالة الواعية في الإنسان، وكل المخلوقات ينجذب بعضها إلى بعض بهذه القوة من الحب، وجميع الأكوان مجذوبة إلى الله تعالى بهذه القوة، فالحب هو أساس هذا العالم، بل هو سبب وجود المخلوقات، إن صفة الله تعالى الأولى هي الحب، وكل المخلوقات مجذوبة إليه بهذه الصفة، وطالما طرق الرومانتيكيون هذه المعاني". (المصدر نفسه، 173، د ت).
كما أن للرومانسيين موقف واضح من الحب حيث "يشترطون في تحققه صدق العاطفة، ويحققون بينه وبين الطبيعة صلات حميمة، فالحب لدى الرومانتيكي عاطفة جارفة من عواطف القلب، بل هو فضيلة من الفضائل، وفي تعبيرهم عن الحب ينعون على المجتمع، قوانينه الجائرة، وأعرافه المجحفة التي تقف في طريق المحبين، وطالما يقرنون حبهم بالحرية التي تجمع بين المتآلفين من المحبوبين، ولم يكن تعبيرهم عن الحب مجرد وصف للمشاعر الصادقة والعواطف النبيلة فقد تعمقوا معانيه وفلسفوا مواقفه". (الحمداني، 123، 1989).
لقد "كان الاهتمام بالحب والمرأة في مقدمة خصائص هذا الاتجاه المتصلة بالموضوعات؛ فأكثر أشعارهم في التلهف على المرأة والحنين إليها وتصوير العذاب الذي يخلفه فراقها بصورة لا مثيل لها في الشعر العربي... ولعل سيادة هذا الاتجاه العاطفي في الشعر... لون من ألوان الهروب من الواقع إلى عوالم الحب المثالي، واستنفاد الشحنات العاطفية المكبوتة في نفوسهم في البكاء على فراق المحبوبة... وتظهر المرأة في غالب شعرهم في صورة مثالية سماوية قدسية كأنها روح علوية جديرة بالتقديس". (حسن، 15، 1955).
كما ارتبط عند الرومانسيين "مفهوم الحياة والوجود بالحب والجمال في تعالقهما تعالقا جدليا، محيلا على النضارة والعفة والطهارة وهي المعاني التي لخصها جبران خليل جبران في قولته الشهيرة الواردة في نص رؤيا من كتاب العواصف: (الحياة بغير الحب كشجرة بغير أزهار ولا ثمار، والحب بغير جمال كأزهار بغير عطر، وأثمار بغير بذور... الحياة والحب والجمال ثلاثة أقانيم في ذات واحدة مستقلة مطلقة لا تقبل التغيير ولا الانفصال)، لكن كما أن تلك الجمالية مرتبطة بالحب الذي هو جوهر الحياة، فإن من معانيها الحب الأول المفقود، والحنين الدائب إلى الأراضي القصية، والمواطن السحرية، والجنان المفقودة والأزمنة السحيقة، وهي معان تكسب الشعر العربي الرومانسي لذة خاصة". (قيسومة، 72، 2013).
أما الحب عند بيربال محمود فهو "لايخالف حب ميخائيل نعيمة وكلاهما واسعا الصدر لا يثوران على حسادهما، ولا يبغضان أعداءهما... تتسم صورة الحب عند بيربال بطابع مثالي شفاف بعيد عن الحساسية يخلو من الكراهية... ومن بصمات أبي ماضي في فكر شاعرنا دعوة النظر إلى الحياة بعين متفائلة تجري فيها عند كليهما فلسفة الخيام ورومانسية جبران إلى جانب تأملاتهما النفسية المتشائمة، وأتاح هذا لتفاؤلهما ثراء في المعاني والمشاعر والأحاسيس، فالشاعران دعيا إلى التفاؤل المطلق وعدم الغموض في أمور تعكر صفو حياتهما". (صالح، 37-38، 2008)، لقد كان تأثير الرومانسيين ولاسيّما شعراء المهجر جليًا في قصائده، فتشكلت بموضوعات الحب الرومانسية، ومن ذلك قصيدة (تعالي) حيث يقول في مطلعها:
تعالي ربةَ السِّحرِ نُحيّ مطلعَ الفجـــــرِ
تعالي نخطو في الروض لدى الأشجار والطيرِ
تعالي، في روابينا نحلّي الصدر بالزهرِ
وندعو مَلكَ الشّعر إلى مملكةِ الشّعــــــرِ
إلى فردوسنا الريـ ـان بالأنداءِ والعطــرِ
(محمود، 25، 2023).
نلحظ بأن هذه الأبيات التي تنتمي إلى الشعر الرومانسي تفيض بالجمال والخيال، فهو يدعو محبوبته أو رمز الجمال والإلهام إلى لقاء شعري روحاني بين أحضان الطبيعة، ويصور لقاءً حالمًا في الصباح، بدعوته لـ: (ربة السحر) التي قد يريد بها الحبيبة إلى التنزه في الروابي والحدائق، والاستمتاع بجمال الطبيعة، كما يدعو: (ملك الشعر) الذي قد يشير إلى الروح الشعرية إلى مشاركتهم في عالمهم الخيالي، مما يدل على توقه لعالم مثالي مليء بالفن والإبداع، كما أنه من خلال تكرار النداء المباشر (تعالي) عدة مرات قد أضفى على النص نغمة موسيقية مؤكدا شوقه لهذا اللقاء، وكذلك استخدامه لكلمات رقيقة مثل: (السحر، الروض، الأنداء، العطر) منح هذا النص لحنا هادئا ينسجم مع الجو الرومانسي، ومن خلال استخدامه لـ: (مملكة الشعر) و: (فردوسنا الريان) الرمزيتين اللتين ربما تعكسان الحلم بعالم مثالي مليء بالجمال والصفاء، فتتضح في هذه الأبيات توقا إلى الهروب من الواقع إلى عالم من الجمال المثالي، فقد اتحد الحب، والشعر، والطبيعة في مشهد واحد، فإنها قصيدة رومانسية حالمة، تذكرنا بأسلوب الشعراء الرومانسيين الذين مزجوا بين الطبيعة والشعر والحب في مشاهد حالمة، ويقول في مقطع آخر في نهاية القصيدة ذاتها:
تعالي، فالرّبيع الط لقُ يدعونا إلى الحُبِّ
إلى صفو سواقينا إلى منهلِنا العذبِ
إلى سندسنا المنقو ش بالأقمار والشهبِ
تعالي، ما في قَلْبَيْنا سيهدينا على الدربِ
إلى مرحمةِ الله، إلى مغفرةِ الرَّبِ
(المصدر نفسه، 26-27، 2023).
وهنا نلحظ بأن هذه الأبيات تتسم بروح رومانسية عميقة تمتزج فيها الطبيعة، والحب، والصفاء الروحي، والتأمل الديني، فالشاعر يستخدم الربيع رمزا للتجدد والفرح، كما يدعو إلى رحلة حالمة نحو الجمال والحب والسلام الداخلي، ويدعو الشاعر محبوبته أو رفيقته أيضا إلى الاستمتاع بالربيع وجماله، حيث المياه الصافية، والحدائق الغنية، والسندس الأخضر الذي يضيئه ضوء القمر والشهب، ونجد كذلك بأن حديثه قد تحول إلى بعد روحي، فهو يرى بأن القلب النقي والهداية الداخلية هما السبيل إلى المغفرة والرحمة الإلهية، كما نجد بأنه يكرر النداء: (تعالي) في هذا المقطع أيضا الذي قد يدل على رغبته الشديدة في مشاركة هذه اللحظة الحالمة مع من يخاطبها، كما أن الشعر تدرج في المعاني فقد بدأ بالدعوة إلى الحب والطبيعة، وبعدها انتقل إلى مشهد خيالي ممزوج بالقمر والشهب، وفي النهاية يصل إلى غاية روحية تتعلق بالمغفرة والرحمة الإلهية، مما منح القصيدة عمقا وتأملا فلسفيا، ففي هذه الأبيات رؤية شاعرية شاملة للحياة، وربما يرى الشاعر بأن الحب والطبيعة والإيمان كلها طرق تؤدي إلى السلام الداخلي والرحمة الإلهية، فإنها قصيدة رومانسية بامتياز ورسالتها تمس القلب والعقل معا.
نستنتج بأن موضوع الحب مهيمنا على القصيدة ويشكّل القلب النابض لكل بيت ولفظة، بوصفه خلاصًا روحيا واتحادا بين الجمال الأرضي والنور الإلهي، إنها قصيدة دعوة موجهة إلى: (ربة السحر) وهي ليست امرأة فحسب، وإنما قد تكون تجسيدا للجمال، للشعر، للحياة، أو للروح التوأم التي تمنح الوجود معناه، إنه الحب الذي يعيد للروح توازنها، ويحرر الإنسان من الذل، ويقوده إلى العز لا بالمادة بل بالمعنى، ويبلغ الحبّ ذروته في المقطع الأخير، حيث يأخذ بعدا سماويا، في الربط بين الحب الإنساني والرحمة الإلهية، إذ يصبح الحب طريقا إلى الله تعالى، وسُلما نحو المغفرة، وكأنه يريد أن يقول: بأننا لا نبلغ الجنة إلا عبر هذه العاطفة الخالصة، فثيمة الحب في هذه القصيدة ليست غاية عاطفية وحسب، وإنما هي تجربة كونية وجمالية وروحية، تطهر الإنسان وتمنحه الخلاص، ومن قصائده الأخرى التي تشكلت بالحب والغرام والتي سنتناولها بالدراسة والتحليل قصيدة: (النظرة المنشودة) والتي يقول في مطلعها:
نظرةٌ من ناظريكِ تجعلُ القلبَ سعيدا
وتُخليني ارى الغبراءَ فردوسًا فريــدا
والمواعيدَ مع الإلهامِ شِعرًا ونشيــــدا
فهبيني، وهبي الأيامَ أفراحًا وعيـــــدا
(محمود، 72، 2023).
وفي هذه الأبيات نلحظ تعبيرا عن الحب العميق والشغف الكبير تجاه المحبوبة، حيث يصور لنا تأثير نظرتها على قلبه وعالمه بأسره، فإن في السطر الأول يشير إلى أن مجرد نظرة من عيني محبوبته قادرة على إدخال الفرح إلى قلبه، وهو تعبير عن قوة الحب وتأثيره العاطفي الكبير، وفي السطر الذي يليه يبين أن هذه النظرة لا تسعده فحسب، وإنما تغير نظرته إلى العالم، فتجعل حتى الأرض القاحلة تبدو له كالفردوس، مما يعكس سمو الحب في قلبه، أما في السطر الثالث فيوضح أن اللقاءات مع محبوبته ليست مجرد لقاءات عابرة، بل تتحول إلى مصدر إلهام يجعله ينظم الشعر والأناشيد، في إشارة إلى أن الحب يغذي الإبداع ويبعث الحياة في روحه، وفي ختام هذا المقطع ينتقل إلى الطلب والرجاء، حيث يسأل محبوبته أن تهبه المزيد من اللحظات الجميلة، وكأنه يطلب منها أن تجعل أيامه كلها أعيادا مليئة بالفرح، ومن هنا فإن النص تميز بأسلوبه الرومانسي المرهف الذي يعكس عمق المشاعر من خلال التصوير الحسي والمجازي، وقد استعمل الألفاظ البسيطة والمعبرة، وربط بين المشاعر الداخلية والتأثيرات الخارجية، مما يجعل من هذه الأسطر الشعرية مفعمة بالحياة والعاطفة، ثم يكمل في مقطع آخر من القصيدة ذاتها بالقول:
نظرةٌ من ناظريكِ تقلبُ الحربَ سلامـا
وتَطلّ في فؤادي قَمَرا يمحو الظلامــــا
وتناديني أُغني للهوى عامًا فعامـــــــــا
فهبيني كي أرى الدنيا مدى العُمُر وئاما
(المصدر نفسه، 72، 2023).
وهنا نلحظ بأن هذه الأبيات أيضا تنبض بالعاطفة العميقة والتصوير الفني الذي يبرز تأثير نظرة المحبوبة على الشاعر وعالمه، إذ يصور في السطر الأول قوة تأثير نظرة محبوبته، فهي قادرة على تحويل الحرب إلى سلام، وهو تعبير مجازي عن مدى السكينة والطمأنينة التي يمنحها الحب، لدرجة أن كل ما هو صراع أو اضطراب يتحول إلى راحة وسلام بمجرد تلك النظرة، وفي السطر الذي يليه يستمر في إبراز الأثر السحري لتلك النظرة، فبدلا من مجرد الفرح، فإنها تطلق في قلبه قمرا يبدد الظلام، والقمر يرمز إلى النور، والجمال، مما يعكس كيف أن الحب يزيل الحزن والهموم من روحه، أما السطر الثالث فهو يحمل دلالة البعث والتجدد، إذ إنَّ نداء الحب يعيد إليه الحياة، حتى وإن كان ميتا بالمعنى العاطفي أو الروحي، فيظل يغني للهوى عاما بعد عام، وهنا يظهر أثر الحب الذي يحي الروح، كما لو أنه يمنحه حياة جديدة بعد الموت، ويختم هذا المقطع برجاء إلى محبوبته، إذ يطلب منها أن تهبه ذلك الحب الذي يجعل الدنيا وئاما دائما، أي واحة من السلام والوئام طوال حياته، وهذا يعكس توقه العميق لأن يبقى هذا الشعور الجميل مرافقا له مدى العمر، فهذه الأبيات تفيض بالرومانسية وتعتمد على التصوير الفني الجميل، إذ استعمل المجاز ليبرز تأثير الحب في تغيير العالم من حرب إلى سلام، ومن ظلام إلى نور، ومن موت إلى حياة، فإن النص يعكس رؤية حالمة للحب، إذ يجعله القوة التي تعيد التوازن والجمال إلى الحياة، مما يترك أثرا عاطفيا قويا في نفس المتلقي.
إذن مغزى القصيدة هو قدرة الحب على تحويل الواقع وتجميل الحياة، فالقصيدة تنبض بعاطفة شفافة، ويظهر فيها كيف أن نظرة واحدة من الحبيبة تستطيع أن تغير كل شيء في عالمه، فهو لا يصور الحب كشعور داخلي، وإنما كقوة سحرية قادرة على إعادة تشكيل العالم من حوله، فالحب يمنح الأشياء معناها الجميل، ويصنع من الواقع-مهما كان قاسيا-لوحة من السكينة والبهجة، وتحول الألم إلى جمال، والموت إلى حياة.
هكذا فقد تشكلت العديد من قصائده بموضوع الحب والغرام، مما غلب على شعره طابعا رومانسيا ظاهرا، واتسمت قصائده في هذا الشأن بعاطفة قوية ممزوجة بالطبيعة والخيال، وهذا ما كان يمتاز به العديد من الرومانسيين الذي كان أثرهم واضحا في الشاعر، فالرومانسيون كانوا شديدي التعلق بالمساء والليل اللذين يدلان على السكينة والطمأنينة، وكذلك قد يربطون هذا المساء بالحب والمرأة وجمالها.
3-3-المطلب الثالث: اللجوء إلى الطبيعة:
منذ قديم الزمان "سحرت الطبيعة شعراء العربية... وراعتهم مشاهدها وبهرتهم مظاهرها فحلق خيالهم في أجوائها وانطلق بين جداولها ومروجها، وجنح فوق رباها وخمائلها، مأخوذا بما أودعه الله تعالى فيها من جمال رائع وفتنة آسرة وحسن فياض ولكن كثيرا منهم كان يقف على ألوانها الزاهية ومفاتنها الحسية فلا يعدو أن يصف الألوان والزراكش ما قد يجد مثله في ألوان الحلي وأصباغ الطنافس، ونقوش الجدران وكأنه ينظر إلى دمية جامدة، صامتة ليس فيها حس ولا حياة، فإحساسه بها لا يتجاوز حدود الأذان والعيون والأنوف يشبه اللون باللون والطعم بالطعم، والرائحة بالرائحة، ونظرته تقوده إلى مظاهرها المختلفة يؤلف بين أشتات الحس بفكره وخياله". (عبد الدايم، 409، 1993).
إن الطبيعة في الأدب الحديث اتجهت اتجاها عاما إلى ما للطبيعة من وجود معنوي يلذ للخيال الجولان فيه ويروق للفكر أن يسمو إليه، ففيه يُنظر إلى الطبيعة نظرا معنويا يتجاوز افق المشاهدات، ولهذا التصور أو النظر المعنوي نزعات نذكر منها: النزعة الحيوية، وهي اعتبار الطبيعة ذات حياة وروح يمكن مخاطبتها ومناجاتها ومبادلتها الأفكار والعواطف، وتكون الطبيعة فيه حيوية عالقة يحس بضربات فؤادها ويسمع رخم إنشادها ويلذ له التحدث إلى أنهارها وغابتها وجبالها ووهادها، وكما شغف... بالطبيعة الملاحية فأحياها وجعلها ذات شعور وإدراك ونظرا مستوحيا منها الأفكار والخواطر والعبر، شغف أيضا بالطبيعة الحية من نبات وحيوان فجعلها موضعا لتخيلاته وتأملاته، ووسيلة للتحدث عما يتجلى له في حياته، والشعر الحديث المستوحى من الطبيعة النباتية شعر كثير ومثله المستوحى من الطبيعة الحيوانية عالم الطيور والحشرات وحيوانات البر والبحر. (المقدسي، د ص، 1952).
كما أن "الشاعر العربي لم يعزل الإنسان عن الطبيعة بل وضعه أمامها، ولكن على نحو من الفصل وجودين بحيث تظن العلاقة بينهما علاقة تقابل... وهذا النوع من الشعور الوصفي للطبيعة، إنما يعطينا أقرب ضروب الشعر الطبيعي تناولا، وأيسرها أداء، وأدناها إلى العضوية فهو لذلك كله أقلها حظا من الثراء فلا فرق بينه وبين آلة التصوير... حيث وقف الشاعر... أمام المنظر الطبيعي مشدودا ما ملكت عليه النشوة أقطار نفسه واستبد الإعجاب بوجدانه ولكنه لم يفقد صلته بالمنظر الطبيعي أمامه بل احتفظ بوعيه الكامل به، فالصورة المرئية عنده لا زالت تحتفظ بالأهمية التي كانت لها عند الشاعر". (عبد الدايم، 409-410، 1993).
إن موقف الرومانسيين من الطبيعة أوضح من كل مواقفهم الأخرى "فقد عاشوا في مجاليها في شعورهم وأحاسيسهم بصدق وإخلاص، لأنهم وجدوا فيها ملاذهم الوحيد الذي ينقذهم من القوانين الاجتماعية الجائرة... وفي الطبيعة، يستوحي الرومانتيكيون ما في نفوسهم من قلق وضيق وحب وحرية وسعادة أبدية، طالما ينشدونها في ظلال الطبيعة الوارفة، وفي مظاهرها يعبرون عن مواقفهم وتأملاتهم، لذلك كثر وقوفهم أمام الليل والبحر والغابة والبحيرة". (الحمداني، 121-122، 1989).
يمكن القول: "أن الرومانتيكيين قد وقفوا من الطبيعة موقفا فلسفيا يرون فيه مظاهرها كلا عضويا على شاكلة الإنسان، ويرفضون أن تكون مجرد حشد من الذرات، وفي علاقة الإنسان بها، يرون أن كلا من الطبيعة والإنسان يرمزان لبعضهما البعض". (المصدر نفسه، 122، 1989)، والرومانسيون "ينشدون السلوان في الطبيعة، ويبثونها حزنهم، ويناظرون بين مشاعرهم ومناظرها، فقد يضيقون بمناظرها الجميلة، لأنها لا تعبأ بحزنهم، وكأنها تسخر منهم، وإنما يستجيبون لمناظرها الحزينة لأن لها صلات بخواطرهم ومصائرهم، ويتخيلون في المخلوقات أرواحا تحس مثلهم، فتحب وتكره وتحلم، فيشركونها مشاعرهم... فقد أكثر الرومانتيكيون منها، وكان طابعها في أدبهم أصدق وأكثر تنوعا وأوسع مدى... وذلك لرهف إحساسهم ورقة مشاعرهم، ولا يختلي الرومانتيكيون في الطبيعة ليفكروا ويستخلصوا الحجج او يحلوا المشكلات، ولكن ليحلموا ويستسلموا لمشاعرهم... وكانت تعتريهم أمام مناظرها روعة امتاز بها ادبهم". (هلال، 160-161، د ت).
لعل الذين مالوا إلى الاتجاه الرومانسي "من أخلص أبناء الطبيعة وعشاقها؛ فهم عميقو الإحساس بها، عميقو الحب لها والاتصال بها؛ يرون في كل ما فيها أشياء حية: تحب وتكره، تسعد وتشقى، تفرح وتحزن، وترجو وتخيب، وهم لذلك يناجونها، ويستلهمونها، ويتمثلون بها، ويبثونها آمال قلوبهم وآلامها، وأشواق نفوسهم وحيرتها، وهي توحي إليهم بالحنين، إذ تذكرهم بما كانوا يجدونه من جمالها الفتان في ربوع بلادهم، وتوحي إليهم بالتأمل العميق في أسرارها، وما أبدع الله تعالى فيها من معجزات تحار فيها العقول، وتوحي إليهم بالنوازع المهذبة والأفكار السامية، وبالأخيلة البعيدة كأطراف الأفق، المترقرقة كالجداول المنسابة، اللطيفة كأنسام أيار، والرحيبة كصفحة الفضاء". (الناعوري، 98، 1977).
فإن الذي يطلع على نتاجهم الأدبي يرى أن للغاب حظا وافرا من هيامهم، فهم يرون في حياته مثالية سامية "فالطبيعة عند جبران هي رفيقة خياله، وملهمته البارعة، نراها تترقرق في أقاصيصه، وفي تأملاته، وفي شذراته، وفي همسات قلبه وروحه ووجدانه التي جرى بها قلمه المبدع... وكما كان جبران شديد الإحساس بالطبيعة، كذلك كان القسم الأكبر من رفاقه: فأبو ماضي، لشدة اتصاله بالطبيعة، وشغفه بها يراها دائما تتعرى له عن فنون جديدة من السحر الخلاب، وتغذي خياله بصنوف من الموسيقى والشعر والإلهام... فهذا الإحساس العميق بالطبيعة، الذي نجده في أدب المهجريين... جديد في طريقته، جديد في روحه؛ وجدته تسمو بالروح إلى أجواء من اللذة الصوفية، والنشوة الروحية، وتترك في النفس رنينا حالما، يقطر بالعذوبة والغبطة، ويتعالى بالروح فوق أوهام العالم، وفوق قيود المادة". (المصدر نفسه، 99-102، 1977).
أما شاعرنا فقد أثر الرومانسيون تأثيرا واضحا على شعره ولا سيّما شغفهم بالطبيعة، فقد "تعلق... بجمال طبيعة بلاده كوردستان واتخذ منها محرابا لفنه يضيء بها جوانب من تجربته الشعرية، ولقد كانت مظاهر هذه الطبيعة من جبال شامخات تضرب في عنان السماء والمروج الخضراء النضرة والثلوج البيضاء الناصعة والشلالات الهادرة وغابات البلوط والمصايف الساحرة عناصر أساسية في مضمون فنه الشعري متأثرا بجبران وغيره من الشعراء الذين أيقضوا الطبيعة". (صالح، 42، 2008)، كما "تردد... على مصايف كوردستان ومدنها، فأتاح له أن ينعم بجمال هذه الطبيعة في علاقة صميمة، وقد قيل قديما: (إن الجبل صديق الكورد) حتى خلف ذلك مزيجا من المشاعر والعواطف، إذ استهوت نفسه مظاهرها في حالتي الرضا والغضب والسعادة والشقاء، وقد كانت عناصر هذه الطبيعة محور بعض قصائده... وحينما يغني لهذه الطبيعة يشعرنا بروحها وجوهرها ويضفي عليها الحنان ويبادلها العاطفة". (المصدر نفسه، 43، 2008)، وقد كانت طبيعة كوردستان الخلابة بجبالها وغاباتها وأنهارها وسهولها خير وسيلة لإذابة همومه ونسيانها، وعند النظر إلى ديوانه نجد العديد من القصائد التي تغنت بالطبيعة، ومنها قصيدة (أغنية كوردستان) التي يقول فيها:
يا جنانَ السَّعدِ، يا نَبعَ الرَّجاء يا فراديساً زَهَت بالشَّجَرِ
أيَّ شدوٍ أشدو وأيَّ غِناء! كلُّ ما فِيكِ غناء الوتَرِ
أنتِ مهدٌ للجمال والبهاء ملعب الأُنس ومَغْنى السَفرِ
قَد تَعمَّدتِ بماءٍ ذي نَقاء وتيمَّمتِِ بِضَوء القَمَرِ
وعلى اوفَقكِ أطيارٌ سَعَتْ تَتَغَنِّى بأناشيدِ الخُلودِ...
تُرسلُ الأنغامَ أمطاراً هَمَست لتُثيرَ الوجدَ في قلبِ الورود
(محمود، 170، 2023).
نلحظ في هذه الأبيات بأنه يتغنى بجمال كوردستان الساحر، فهي قصيدة زاهية تحتفي بجمال الطبيعة والحب والحنين، إذ يصف موطنه بأنه فردوس مليء بالحياة، والجمال، والموسيقى، فهو مشدود ومأخوذ بهذا الجمال، حتى أن الكلمات لتعجر عن وصفه، فكل ما في كوردستان: (غناء الوتر)، أي أن جمالها غناء بذاته دون حاجة إلى وصف، في صورة موسيقية رائعة وكأن الطبيعة بأكملها تعزف، وليس الشاعر من يغني، مما يدل على عجزه عن مجاراة هذا الجمال، فإن في البيت الأول استعارة وتشبيه بديع، فهو يصف كوردستان بأنها (جنة السعادة) وكذلك: (نبع الرجاء)، أي هي مصدر الأمل والطمأنينة، ويعزز في البيت الذي يليه المعنى السماوي أو المجيد لموطنه حينما يستخدم (فراديس) التي هي جمع (فردوس)، مع وصفه بأنه مزدهر بالأشجار، ما يضيف الحياة والحيوية إليه، ثم يكمل ليضيف طابعا أسطوريا في تأكيده بأن الجمال بدأ من كوردستان، كما أنه ينتقل في البيت الرابع إلى صورة دينية جميلة بذكره (التعميد) الذي هو من طقوس ملة سيدنا عيسى (عليه السلام) في إشارة إلى التطهر، وبعدها يذكر (التيمم) الذي هو من الطقوس الدينية عندنا نحن ملة سيدنا محمد (عليه السلام)، وهي استعارة للطهارة عند الضرورة، مما يوحي بتمجيد وصفاء كوردستان، ثم يصف في البيت الذي يليه بأن الطيور ليست مجرد زينة، بل كائنات لها وعي تغني للخلود، ويختم هذه المقطوعة بخيال شاعري متقن، حيث الأنغام تصبح مطرا يهمس بدلا من الهطول العنيف، ليحرك مشاعر الورود، في دلالة واضحة بأن كل شيء في موطنه ينبض بالحياة والإحساس، أما من ناحية الأسلوب فنلحظ بأنه استعمل خطابا مباشرا لكوردستان: (يا جنان السعد) مما أضفى طابعا حميما وعاطفيا، وهكذا فإن هذه الأبيات تحتفي بالجمال بكل أشكاله، ومنحت الطبيعة طابعا مجيدا، حيث يتحد الصوت، واللون، والطبيعة في لوحة واحدة، فإنه لا يصف كوردستان فحسب، وإنما يشعر بها ويتفاعل معها وكأنها كائن حي، ويكمل في مقطع آخر من القصيدة ذاتها، وفيه يمزج بين وصف الطبيعة والحنين إلى الماضي فيقول:
يا لذي الأعلامِ ما أجملها، ولذي الآكام في هذي الخدود
قِف بها يا شاعر وأروِ لهـا سرَّ الاسلافِ، أخبارَ الحدود
سَلها بالإيقاعِ من أبدعها شَبها بالخُلدِ، فيحاء السَّعود!
أين أحداق الضباء والفها! أين أشواق نحيلاتِ القدود!
أين (شيرين) هُنا بَينَ الهِضاب! أين (فرهاد) هُنا بَينَ الحِسان!
آه لو عادا لأيام الشباب لنرى من منهما نالَ الأمان
(المصدر نفسه، 171، 2023).
إذ نلحظ بأن الأبيات تحمل طابعًا وجدانيًا جميلا، حيث يمزج بين وصف الطبيعة، والحنين إلى الماضي، مستدعيا الرموز العاطفية والتراثية بأسلوب شاعري رقيق، فهذه المقطوعة تدور حول التأمل في جمال كوردستان، فيصف طبيعتها ويستحضر الماضي والحنين إلى زمن الشباب، ويتخللها تساؤل وجداني عن رموز الجمال والحب عبر الزمن، مع إسقاط رمزي جميل على قصة (فرهاد وشيرين)، وهما من رموز الحب في الأدب الكوردي، إن الشاعر في البيت الأول يتأمل جمال مشهد طبيعي فيه: (الأعلام) متعجبا من جمال جبال كوردستان الشاهقة، و(الآكام) التي هي التلال، فيبدو أنه يخاطب شخصا أو كائنا يملك هذه الأعلام والآكام، أو يتغنى بجمال هذه المظاهر في: (هذي الخدود)، فهو يشبه الجبال والتلال بخدود وجه جميل، الذي هو وجه كوردستان، وفي استعماله لأسلوب النداء كأنه يخاطب شخصا حيا، مما أضفى على الطبيعة ملامح بشرية، وهذا تشخيص وتشبيه بليغ للطبيعة، حيث تتحول الأرض إلى كائن حي ذي ملامح، وفي البيت الذي يليه نداء للشاعر بأن يقف ويتأمل، ويحكي للمكان قصص الأجداد وتاريخ الأرض، فإن فيه نوع من الوقوف التأملي كما في: (قفا نبكِ) عند الجاهليين، ثم يكمل فيطلب أن تُسأل كوردستان بالإيقاع أي بالغناء أو الشعر، من أبدعها وصورها بهذا الجمال البديع، وجعلها كأنها جنة الخلود، و: (فيحاء السعود) أي مكانا واسعا وعطرا، مليئا بالفرح والسعادة والرخاء، في دعوة منه للتأمل الفلسفي والجمالي، أما في البيت الرابع فيتساءل بحزن ودهشة، أين ذهبت عيون الغزلان التي اعتادت هذا المكان، كناية عن العيون الجميلة الواسعة، وأين أشواق الجميلات ذوات القوام الرشيق؟ كناية عن النساء الرشيقات، في نداء واضح للحنين إلى الماضي، وكأنه يتساءل هل اختفى هذا الجمال، أم أنه غاب مع الزمن، في إشارة إلى أن الزمن يسلبنا ما نحب، ثم في البيت الذي يليه يستحضر قصة الحب الكوردية الخالدة: (فرهاد وشيرين)، وكأنه يبحث عنهم في هذا المكان، مما أضفى على القصيدة طابعا رومانسيا وتاريخيا، ثم يختم المقطوعة بتنهيدة فيها حسرة وحنين للماضي، فهو يتمنى لو عاد الزمن ليشهد بنفسه هل نال أحدهما-فرهاد وشيرين-الأمان، أي راحة القلب بالوصال وتحقق حبهما رغم التحديات ونجاتهما من الألم والعذاب العاطفي، إن أسلوب هذه المقطوعة تفاعلي، لأن فيها حوارا مع المكان والزمان، وهنالك توظيفا للنداء والتساؤل، مما يعكس انفعاليته، فالقصيدة مزيج جميل بين الوصف والتأمل والعاطفة، فيها بعد وجداني عميق، يعكس تعلقه بكوردستان، وحنينه لزمن مضى.
ولعل الموضوع الغالب على القصيدة هو تمجيد طبيعة الوطن بوصفه جنة الأرض ومصدر الإلهام والجمال والهوية، فهي تغني لكوردستان بصوت مشبع بالحب والاعتزاز والانتماء، وهو لا يكتفي بوصف الطبيعة وحسب، وإنما يرفع وطنه إلى مقام سماوي مجيد، ويُظهر الهوية الكوردية كجمال لا ينسى، وحنين لا يُطفأ، وسحر لا ينطفئ، فالوطن عنده ليس مجرد مكان، بل كائن حي، مليء بالجمال والقصص والذاكرة، يستحق الغناء والتمجيد، وفي قصيدة أخرى من قصائده الجميلة في شعر الطبيعة نقف عند قصيدة: (إنعام السماء)، والتي يقول فيها:
يا صحابي، هذه البقعةُ إنعام السَّمــــاءِ
جئتُ أشدو في نواحيها أعاجيبَ الغِناءِ
وأَلَمُّ من روابيها يواقيتَ السَّنــــــــــاءِ
لحسانٍ من سليلات جميلاتِ النســــاءِ
هذه البقعةُ فردوس النعيمِ في الوجودِ
من سوافيها يصوغ الشاعر سِرَّ الخلود
(محمود، 161، 2023).
نلحظ بأن بيربال في هذه المقطوعة يصف موطنه كوردستان الذي يعدّه هبة من السماء، فهو يغنيه ويلهمه، ويستقي من جماله وروعته صورا شعرية تشبه الأعاجيب، ويصفه أيضا بأنه فردوس أرضي، ملهم للجمال والخلود، وفيه من الطبيعة والنساء ما يفوق الوصف، حيث يبدأ بنداء لأصحابه مشيرا إليهم هذه البقعة المباركة والمميزة بجمالها، ثم يوضح في البيت الذي يليه أنه جاء ليغني أو ينشد شعرا في هذا المكان، مستلهما أعاجيب لا توصف من الجمال والإلهام، وبعدها يصف كوردستان وتلالها ما يشبه الجواهر المضيئة، أما في البيت الرابع فيشير إلى وجود نساء جميلات في موطنه، وكأن الجمال متوارث ومتأصل فيهن، مكملا بذلك صورة السحر والجاذبية للمكان، ثم يشبه في البيت الذي يليه كوردستان بالفردوس أو الجنة، مما أضفى عليها طابع التمجيد والسحر والجمال والكمال، ويختم المقطوعة بـ (السوافي) التي هي الرياح اللطيفة أو النسائم، وفي ذلك مجاز عن إلهام أرضه كوردستان، فهو من تأثير هذا الجو الجميل يصوغ شعرا يخلد ويعيش طويلا، أي أن هذه الأرض تلهمه إبداعا خالدا، كما أن الأسلوب ممتزج بين الرقة والسمو، يطغى عليه الطابع الرومانسي التأملي، فهو يربط بين الجمال الأرضي والجمال السماوي، بين الطبيعة والمرأة، ليعطي شعورا بوحدة الجمال والإلهام، ويقول في مقطع آخر من القصيدة ذاتها:
يا صحابي هاهنا الشلال في السفحِ يغني
والجميلات يصفقّنَ لإبداعي وفنــــــــــي
هاهنا دنيا التصابي والتحابي والتمنـــــي
تارةً تسأل عنكم، تارةً تسأل عنـــــــــــي
هذه البقعة فردوس النعيم في الوجـــودِ
من سوافيها يصوغ الشاعر سر الخلودِ
(المصدر نفسه، 162، 2023).
هنا يكمل وصفه لكوردستان الساحرة التي تنبض بالحياة والجمال، حيث الشلالات تغني، والجميلات تتفاعلن مع فنه، فإن المكان يفيض بمشاعر الشباب والمحبة والأحلام، وهو مكان فيه حنين وسؤال عن الغائبين، ويكرر وصفه لكوردستان بالفردوس الأرضي الذي يمنحه الإلهام والخلود، ونلحظ في بداية المقطوعة بأنه يخاطب أصحابه مجددا، ومشيرا إلى جمال الطبيعة؛ فالشلال يبدو وكأنه يغني، في تعبير مجازي يدل على صوت الماء المنساب برقة وجمال، وفي السطر الذي يليه يوضح بأن النساء الجميلات تُعجبن بما يقدمه الشاعر من فن وإبداع، وتُبدين تفاعلهن بالتصفيق، مما يدل على الانسجام بين الفن والجمال، وفي السطر الثالث يرى بأن هذا المكان مفعم بروح الشباب وتبادل المودة والأحلام والرغبات، فهو يرى بأن كوردستان عالم من الفرح، والحب، والخيال، أما السطر الرابع فيحمل لمحة من الحنين، وكأن المكان ذاته يحمل ذاكرة الأصدقاء، ويتساءل عنهم، في تكرار جميل للمشاعر المرتبطة بالمكان، وفي السطرين الأخيرين يكرر الذي ورد في نهاية المقطع السابق، مما يعطي انطباعا بأن هذا الوصف ثابت في قلب قلبه ولن يتغير، كذلك يعيد التأكيد بأن كوردستان هي مصدر الإلهام الأبدي، فهي منبع الخلود الشعري، وهنالك تشخيص في الأبيات وهو أن: (الشلال في السفح يغني)، كما أن هنالك تجسيد للمكان مليء بالأحاسيس والعواطف: (دنيا التصابي والتحابي والتمني)، فهو يستعمل أسلوبا وجدانيا رقيقا، يمزج فيه بين الطبيعة، والإنسان، والمشاعر، لخلق مشهد مثالي، ولعل الرسالة التي يريد إيصالها هي أن كوردستان ليست مجرد موقع جغرافي، وإنما هي فضاء روحي وجمالي يعيش فيه الشاعر حالة من النشوة والإلهام، ففيها الطبيعة تتكلم، والنساء تتفاعلن، والحنين ينبض، والإبداع يخلد.
إذن القصيدة تشكّلت بموضوع طبيعة وطنه (كوردستان)، محتفيا بها، بوصفها نعمة إلهية ومصدر إلهام شعري خالد، وأنها مليئة بالجمال والضياء، مزهرة بالحسان، تشعل الإبداع، وتوقظ الشعر، وتحمل في تفاصيلها سر الخلود، ويمتد هذا التصوير ليشمل ملامح كوردستان الطبيعية، وكذلك ملامحها الوجدانية، حيث تتحول الطبيعة والأنثى والفن إلى وحدة واحدة متكاملة، تجعل من كوردستان جنة على الأرض، ومصدر إلهام لا ينضب، فجعل من كوردستان مكانًا سماوي الطابع، أرضي الحضور، شعري الأثر.
هكذا فقد تشكلت العديد من قصائده بالطبيعة التي هي من أبرز موضوعات الرومانسية ومدرسة المهجر بخاصة، لذلك نلحظ بأن الشعراء الرومانسيون قد توجهوا إلى الطبيعة وتغنوا بها ربما للهروب من معاناة الواقع والحنين إلى طبيعة الوطن وأرضه، ولعل توجهه إلى الطبيعة كانت له ذات المعاناة فصار يتغنى بجمال موطنه كوردستان وغلب طابع اللجوء إلى الطبيعة على الكثير من قصائده متأثرا في ذلك بالمدرسة الرومانسية وأعلامها.
3-4-المطلب الرابع: النزعة الإنسانية:
إن "النزعة الإنسانية نزعة أساسها القيم المنتزعة من تجارب الناس، والأدب الإنساني هو الأدب الذي يهتم بمشاكل الفرد والجماعة على السواء دون تمييز بين غني وفقير، وقوي وضعيف، وفاجر وتقي، فكلٌّ له مشاكله وانفعالاته، وقد واكبت النزعة الإنسانية بمظاهرها المختلفة الشعر والأدب منذ قديم الزمان، وما كانت ظاهرة الشعراء الصعاليك إلا انعكاسا للنوازع الإنسانية في دواخلهم... والأدب إنساني بالطبع، لأنه يصدر عن الإنسان مصورا أحاسيسه وأفكاره وتطلعاته، وإن الإنسانية اتجاه عام في الأدب لا يختص بها مذهب أدبي محدد، لأنها كالأدب وليدة العواطف الإنسانية والفعل الإنساني، وأكثر المذاهب قربا إليها أكثرها قربا من الإنسان وقضاياه وحياته". (الشعر، 28-30، 2016).
كما أن "إنسانية الإنسان ليست قيمة مصمتة، وإنما هي واقع أصيل، يتأذى بشتى العبارات:
هي حتمية يؤذيها الإهمال والانغلاق والخطأ في زاوية الرؤية، والخوف من التطور، وكثير غير ذلك، ولكن أكثر ما يؤذيها أيضا الإيمان بالتفاوت الطبقي، أي ضياع العدالة الاجتماعية، وعدم الوعي على التمييز العنصري أو اللوني، وتمجيد القوة لمجرد أنها قوة يسحق فيها الضعيف والفقير، ويضيع الحق الإنساني... ومن ثم-رغم واقعيتها-قيمة مطلقة، وكل خروج عنها يمثل شرخا أو جرحا في وظيفة الشعر". (عباس، 202، 203، 1978)، ولعل "خير ما يلخص حقيقة الأمر أن يقال إن الالتزام هو الجانب الإيجابي من علاقة متبادلة بين الشاعر والمجتمع، وهي ليست علاقة أخذ أو عطاء ولا علاقة انصهار أو ذوبان، وإنما هي علاقة تطابق، فقد يصف الشاعر البحر لأنه أحب منظره، أو تأثر بروعة امتداده ولكنك تحس وهو يتحدث عنه أنه يعبر بذلك حرية الإنسان، أو عن عمق الوجود الإنساني أو سعة التجارب الإنسانية، دون أن يصرح في الحالتين-مخبرا أو مقررا-بهذه الرابطة الوثيقة السرية بينه وبين البحر، وتكون كل حركة أو صورة أو موجة موسيقية في قصيدته صورة لذلك التطابق، وهذا التطابق قد يوحي بالتفارق أو التقابل أو التناسب أو التحاور، ولكنه لا يوحي أبدا بالانفصال... إن تطبيق مفهوم الالتزام لن يتحدد في شكل واحد، ولكن يجيء على أشكال متفاوتة تنبني جميعا على أصل مشترك هو الدفاع عن إنسانية الإنسان". (المصدر نفسه، 203-205، 1978).
لذلك "متى كان الأديب قادرا على تعميق ثقافة القراء، ويساعدهم على فهم الأدب المعبر عن الحقيقة الإنسانية، يرقى أذواقنا، لأنه يصور الوقائع بتعبير فني جميل ينم عن تجربة ذاتية بطرق متنوعة، يحاكي في صياغته أحاسيس الإنسان بإيحاءات وتأثيرات، بعيدة عن الإخبار، هذا الأدب قادر على تصوير القيم الإنسانية المتعددة، وهو مؤشر لزرع قيم نتوخاها، ونسعى لتحقيقها، فدوره دور تهذيبي تكويني تحريضي، فإن رسالة الكاتب هي الكشف للناس عن الحقيقة". (فرحات، د ص، 2024).
إن الاتجاه الرومانسي من أبرز الاتجاهات الأدبية التي اتسمت بالنزعة الإنسانية في تناولها لقضايا الفرد والمجتمع وفي تركيزها على مشكلات الحياة والإنسان، فإن الرومانسيين "وقفوا من المجتمع موقف خصومة شديدة، لما يسوده من تقاليد وأعراف وما يحكمه من قوانين، تحول بين الفرد وبين حريته... وحملوا المجتمع جريرة ضحاياه، وكذلك كثر لديهم الأنين والبكاء والشكوى، لما آل إليه مصير الفرد في ظل الجماعة، ونتيجة لذلك، حلقوا بخيالهم إلى عالم مثالي رحب، يتسع للصورة التي رسموها للإنسان، حيث الحب والسعادة والحرية، وبقدر عطفهم على البؤساء والمظلومين، سخطوا على الساسة والملوك ورجال الدين والقضاة، هاجموا الكنيسة، ورأوا في وجودها عقبة في طريق السعادة، سعادة الأفراد وحريتهم". (الحمداني، 120، 1989).
لقد اتسعت المعاني الإنسانية في الرومانسية، لتشمل الفضائل المتمثلة بالخير والمحبة والعدل، كما جمعت تحت لوائها توق الإنسان وطموحه إلى أسمى وأنبل الغايات، بعيدا عن كل أشكال التعصب والتفرقة والاختلاف، إنها تتطلع إلى عالم يسوده الإخاء الإنساني الشامل بعيدا عن كل الحواجز والعقبات والأغراض التي تفرق البشر، كما أن الإنسانية عند أصحاب المذهب الرومانسي تدعو إلى نبذ كل ما يفرق بين الإنسان والإنسان؛ لأنها تنظر إلى الناس من طبيعة واحدة، وأن الشكل واللون والمظهر الذي يميز بين البشر، ما هو إلا أثر من آثار البيئة والطبيعة على الإنسان. (قميحة، 45، 1981).
تمخضت من الرومانسية "اتجاهات إيجابية اجتماعية وثورية بعيدة المدى غايتها نشدان الحرية وتقدم الإنسانية، وعند الرومانتيكيين أن التقدم السياسي يجب أن يخدم التقدم الاجتماعي، ولا يتحقق التقدم الاجتماعي إذا تم على حساب الأفراد وفي مصلحة أغلبية ما في المجتمع، ثم إن المنافع الفردية لطائفة المستغلين تمحو في المجتمع المعاني الإنسانية، ولذا دعوا إلى سن تشريعات جديدة للعقوبة تتمشى مع التقدم الإنساني... وكانت غايتهم رفع نبر الظلم الذي خضع له الأفراد... فكان الفرد موضوع عطفهم لأنه وحدة المجتمع السليم، ولأنه يمثل الإرادة العامة لمجموع يجب أن يؤمن بمبدأ الخلق الطاهر". (هلال، 122-124، د ت).
ونلحظ بأن شاعرنا قد تأثر بهذه النزعة الإنسانية لدى الرومانسيين، وتناول العديد من القضايا الإنسانية في شعره، حيث كانت القضايا الإنسانية موضوعا ثرا لتجارب الشعراء، فقد استفاد في شعره السياسي من الصراع القائم بين الحكومات المستبدة وبين الإنسان الجديد الذي نهل المبادئ الجديدة، واستشعر محنة وطنه العراق، وما ينزل به من ضروب الظلم، إذ يرمون الأحرار في غياهب السجون ويمارسون الاضطهاد الفكري، مما أدى إلى هجرة الشعراء إلى خارج الوطن... وفي الوقت ذاته يثور على الأوضاع المزرية للعراقيين ويطالب بالمساواة وتحقيق مجتمع الكفاية والعدل... وشعره في هذا المجال تعبير عن خوالج نفسه وإبانة لمشاعر غيره في آن واحد كاستجابة لتجربة شعورية عانى منها، إذ وجد في العراق سجنا كبيرا لشعبه، ونتيجة لذلك يزج في السجن في العهد الملكي. (صالح، 31، 2008).
من جانب آخر فقد غلبت النزعة الإنسانية على شعره ومن هنا كان حديثه عن الفلاح، هذا المواطن البائس... فإنه الشاعر الرائد في أربيل الذي التفت إلى شجون الفلاحين، لأنه عايش ثورة فلاحي سهل أربيل ضد الإقطاعيين 1953 م، ومن ضمن المواقف الأخرى التي أسهمت في تطوير تجربته موقفه القومي، إذ وازن بين موقفه الإنساني والقومي... فكانت مأساة حلبجة الشهيدة... حين قصفها النظام السابق بالغازات الكيمياوية السامة، وسيقت بسببها الألوف من النساء والأطفال الكورد إلى محرقة الموت الفظيعة هي التي فجّرت في فؤاده صرخة مدوية... تغنى بيربال بالإنسانية واستوحى أوضاعها الاجتماعية في صقل تجربته الفنية، فالإنسان الذي يتراءى لنا ضمن ملحمته الشعرية هو الإنسان الكوردي والإنسان العراقي. (المصدر نفسه، 31-33، 2008)، وقد ظهرت هذه النزعة الإنسانية في العديد من قصائده، ومنها قصيدة: (حلبجة الشهيدة) التي يقول في مطلعها:
أيُّها العازف قُم هاتِ الكمنجة، سلسل اللَّحْنَ عَزاءً لـ (حلبجة)
وأثر في أنفس العالم ضَجَّــــــــــةً!
********
سلسل اللَّحنَ على السَّمع رثاءَ
لصغارٍ كانوا في الدنيا ضيـاءَ
وهناءً لذويهم، ورجــــــــــــاءَ
راحة الوحش أذاقتهم فنـــــــاءَ
فجروا في مُقلِ النَّاسِ البكــــاءَ
فأحالوا الحجر الجلمود مـــــاءَ
أيَّها العازف حيَّ الأبريــــــــاءَ
حيّهم، فجراً، وظهراً ومســــاءَ
حيّهم، حيَّ خلود وبقـــــــــ ــاءَ
هي ذي أرواحهم لاحت سنـــاءَ
(محمود، 242، 2023).
لو أنعمنا النظر في عنوان القصيدة فإنه بحد ذاته يحمل دلالتين قويتين، الأولى هو أن الشاعر قد وثق المكان (حلبجة) اسم المدينة المنكوبة، والثانية هي الوصف الرمزي (الشهيدة) التي ترمز إلى حلبجة كشخص حي قتل ظلما، ليمنحها صفة الشهادة، مما أضفى بعدا إنسانيا وأخلاقيا على القضية، فينادي العازف ويطلب من الفن (رمزه العازف والكمنجة) أن يتحرك، وأن لا يصمت أمام المجازر، ثم يأتي باستعارة موسيقية: (سلسل اللحن)، فيها دعوة إلى رثاء موسيقي، أي أن الفن يجب أن يتحول إلى وسيلة عزاء وشهادة، ثم يؤكد بأن المدينة ليست مجرد حدث: (عزاء لحلبجة) وإنما روح تستحق الحداد والبكاء، كما أن لديه الرغبة في تحريك الضمير الإنساني العالمي (ضجة في العالم)، فالمجزرة لا تخص شعبا واحدا، بل تمثل جريمة ضد الإنسانية، كما أن هنالك تصوير بديع للطفولة كمصدر نور وأمل: (صغارا كانوا في الدنيا ضياء)، مؤكدا بأن الضحايا كانوا معظمهم من الأطفال، مما يعمق الإحساس بالفاجعة، كما أنه يعبر تعبيرا مرعبا: (راحة الوحش) في تصويره للقاتل كوحش لا يرتاح إلا بالقتل، وهو وصف ضمني لنظام صدام، وفي قوله: (فجروا البكاء) و: (أحالوا الحجر ماء) تعبير عن قوة المأساة التي تذيب حتى الجماد، فهو تصوير بلاغي يعبر عن عمق التأثير الإنساني، ثم يكمل طالبا إحياء ذكراهم في كل وقت، وفي كل لحظة من اليوم، فهو يرى أن هؤلاء الشهداء خالدون في الضمير الإنساني: (حي خلود وبقاء)، ويذكر في نهاية المقطوعة بأن سناء الأرواح البريئة تتجلى كضياء في الأفق، فيها طهر ورفعة ومقام عال، فإن النزعة الإنسانية جلية في هذه المقطوعة، حيث يرثي الضحايا ليس بالحزن فحسب، وإنما يدعو لتخليدهم وإدانة الجريمة، ولتحفيز الوعي الإنساني الجمعي بعدم نسيانها، فإن في توظيفه الموسيقى، الطفولة، البكاء، والضياء كلها أدوات فنية لتكثيف الألم، وتحويله إلى رسالة حضارية، ثم يردف بمقطع آخر من القصيدة ذاتها متسائلا فيقول:
دُم على العزفِ وَسل دار البرايــــا:
هل رأت مثل بلايانا بلايــــــــــــــا؟
هل رأتُ مَدفنَ جَمْعٍ مِنْ صَبايــــــا؟
هل رأتُ أشلاء آلاف الضحايــــــا؟
في التلولِ، والحقول، والزوايــــــا؟
من هو المسؤول عن هذي الرزايا؟
عن قلوبٍ هُشّمتْ مثل المرايـــــــا؟
وخطوبٍ، وذنوبٍ وخطايــــــــــــا؟
يا تُرى هل من سميعٍ لـنـدايـــــــــا؟
من معيدٍ لي أمني وَصَفايــــــــــــا؟
أيُّها العازف قُمّ هات الكمنجة، سلسل اللحن عزاءً لـ (حلبجــــة)
وأثر في أنفس العالم ضجَّــــــة!
(محمود، 243، 2023).
يبدأ بيربال هذا المقطع بتكرار طلبه للفن من خلال رمزه (العازف) بالاستمرار في التحرك، والمناداة ليصل صوته للعالم، وألا يصمت أمام المجازر، فإن في تكرار طلب العزف ربما يعكس الإصرار على تفعيل الضمير الإنساني عبر الفن، أي أن الحزن بلغ أقصى مدى، ثم يخاطب البشرية جمعاء: (سل دار البرايا) في صيغة سؤال استنكاري يدل على مدى الفاجعة، وتكراره للفظة: (بلايانا بلايا) ربما لتعميق الإحساس بالفاجعة ولإثارة مقارنة أخلاقية: هل حصل شيء كهذا في التاريخ الحديث، فإن الأسلوب التكراري يعكس الحيرة والغضب والذهول من صمت المجتمع الدولي تجاه جريمة حلبجة، وتعود مأساة الطفولة والبراءة هنا بتركيز أكبر: (مدفن الصبايا-أشلاء آلاف الضحايا) في إشارة إلى فتيات صغيرات، مما أضفى على الألم بعدا أنثويا وإنسانيا مضاعفا، كما أن في: (التلول، الحقول، الزوايا) مشهد مرعب لتحول حلبجة إلى مقبرة جماعية، فهذه الألفاظ توسع من النطاق الجغرافي للجريمة، بأن ليس هنالك موضع من المدينة قد نجا من الجريمة، ثم يطرح سؤالا أخلاقيا وقانونيا صريحا: من هو المسؤول، من الذي ارتكب هذه الجريمة، فربما سؤاله دعوة لمحاسبة الجناة قانونيا، كما أن هنالك استعارة بصرية دقيقة: (قلوب هشمت مثل المرايا) أي القلوب مكسورة، متناثرة، تعكس الألم في كل شظية، وبعد ذلك ينادي: (يا ترى هل من سميع لندايا؟) فهو نداء موجه للمجتمع الدولي والعالم بأسره هل من يسمع، هل من مجيب، فصيغة السؤال هذه يائسة تعكس خيبة أمله من المجتمع الدولي، وكأنه يشك في وجود العدالة أو حتى الإنصات له، وفي عبارة: (من معيد لي أمني وصفايا؟) تكثيف للحزن الشخصي، مختزلا كل ما فقده الكوردي البسيط في حلبجة: (أمنه وصفاء حياته)، فهو يتحدث عن إنسان عادي فقد كل شيء، وفي نهاية هذا المقطع يعود فيكرر اللازمة: (أيها العازف...) التي لها وظيفة فنية مؤثرة، فهو يربط المقاطع ببعضها، ويؤكد إصراره على عدم السماح بنسيان هذه الفاجعة، وهكذا في كل مقاطع القصيدة، وكأن هذه الجملة أصبحت نشيدا أو لازمة عزاء دائمة تطرق الضمير العالمي، ويتبين معنا بأن هذا المقطع يصعد من حدة القصيدة بالانتقال من الرثاء الحزين إلى الاتهام والمطالبة، فالشاعر هنا لا يكتفي بالبكاء، بل يواجه البشرية بسؤال مباشر أين كنتم، ويخاطب التاريخ قائلا: هل حدث ما هو أفظع من هذا، فالقصيدة تنتقل من الرثاء الموسيقي الحزين إلى النواح الممزوج بالغضب والأسى، وتوظف التكرار، والتصوير المكاني، واستدعاء الضمير الإنساني، لتجعل من (حلبجة) رمزا عالميا للمظلومية، فإن في قصيدة: (حلبجة الشهيدة) لا يكتفي بيربال محمود بتوثيق مأساة تاريخية، بل يرفعها إلى مقام الرمز الإنساني الخالد، فقد تحولت: (حلبجة) في هذه القصيدة من مدينة قصفت بالغازات إلى ضمير حي يصرخ في وجه الصمت العالمي، فحلبجة هنا ليست مدينة كوردية فحسب، وإنما هي اسم لكل مدينة قصفت بصمت العالم، ولكل ضحية نامت في حضن الأرض، فكانت شهادة خالدة من الشاعر لا يمحوها تعاقب الأيام ولا تغيرها الأزمنة.
إن هذه القصيدة هي الرثاء الإنساني الممزوج بالاحتجاج السياسي وصرخة إنسانية في تساؤل، فهي صرخة شعرية مفعمة بالألم الإنساني والوجع الجماعي، كتبها كمرثية لهذه الكارثة الإنسانية التي طالت مدينة حلبجة الكوردستانية، حيث قصفت بالغازات الكيمياوية، مما أدى إلى استشهاد الآلاف من الأبرياء أكثرهم من النساء والأطفال، لذلك نلحظ بأن الحزن والرثاء يهيمن على الجو العام للقصيدة، وهي تعمل بمثابة سجل إنساني وشهادة على ما جرى، وهو لا يرثي الضحايا فحسب، وإنما يشعل صوتا احتجاجيا ضد الطغيان، ويدعو ضمير العالم للاستيقاظ في لحظة شعرية تتقاطع فيها الموسيقى، والدمع، والصوت الإنساني الجريح، ومن قصائده الأخرى التي تشكلت بالنزعة الإنسانية نقف عند قصيدة: (عمّا قليل)، التي كتبها وهو ينعم النظر إلى والده العليل، الذي كان يحتضر على فراش الموت، فقد استوحى من حشرجة قلبه هذه القصيدة (المصدر نفسه، 254، 2023)، والتي يقول في مطلعها:
عمَّا قليلٍ يمضي هذا الجَسَد إلى فُجاجٍ مالها من حـــدود
عمَّا قليل يحتويه الأبد مجاهلُ الغَيْبِ خـوافـي الرقود
هنالكَ يَنسى الأسى والكمد هنالكَ حيثُ يكون اللحود
حيث لا همَّ ولا أيّ نكد حيث لا غمّ ولا أي حقود
(المصدر نفسه، 254، 2023).
من مطلعها نلحظ بأن القصيدة مفعمة بالحزن النبيل والتأمل في لحظة من أصعب لحظات الحياة: وداع الأب، والوقوف على عتبة الموت، فإنه يبدأ هذا المقطع بإقرار حتمي عن اقتراب الموت، مستعملا تعبير: (عمّا قليل) ليعكس قرب أجل والده المحتضر بنبرة حزينة، كما أن (الجسد) هنا رمز للفناء، وهو في طريقه إلى (فجاج) لا نهائية، أي دروب ومناطق واسعة لا يعرف لها حد، وهذا تصوير بديع للموت كرحلة مجهولة في عالم لا متناه، يوحي بالرهبة، طريق لا يعود منه أحد، عالم لا نعلم حدوده، كما نلحظ شعوره ممزوج بالحزن والتأمل، فيه تسليم بالقدر، وفيه دهشة أمام اتساع المجهول، وفي البيت الذي يليه يتابع نفس الفكرة باستعمال: (عمّا قليل)، لكنه يعمق التأمل، فالموت ليس انتقالا مؤقتا، بل هو احتواء أبدي، حيث يغمر الجسد في: (مجاهل الغيب) أي في أسرار لا تدرك، وفي: (خوافي الرقود) وهي أعماق النوم الدائم، التي هي كناية عن الموت والقبر، كما أن استعمال كلمة: (يحتويه) يحمل معنى الاحتضان، وكأن الأبد يضم الإنسان برفق رغم قسوته، فإن الموت ليس النهاية، بل بداية لحياة غامضة لا نعرف عنها شيئا، إذ نلحظ رهبة ممزوجة بالخشوع، مع تصوير الموت كاحتضان من الغيب والسكينة الأبدية، أما في البيت الثالث؛ يخفف شيئا من وطأة الموت، فيصور القبر: (اللحود) كمكان يرتاح فيه الميت من: (الأسى) و (الكمد)، أي الحزن العميق والغم، وكأن الموت رغم فراقه يحمل نوعا من الراحة من هموم الدنيا ومتاعبها، فهذا انتقال جميل من رهبة الموت إلى الراحة التي تليه، فالقبر هنا يصور كمهرب من المعاناة، فهو يعبر عن رجاء داخلي في أن يكون الموت راحة لمن أحب، وتخفيفا عن آلام الجسد والروح، ويأتي ختام هذا المقطع متمما للمعنى السابق، في تصويره للموت كحالة من السلام الخالص، وتختفي المشاعر السلبية حيث لا هم ولا نكد ولا غم ولا أحقاد، فهو سلام سرمدي تنطفئ الصراعات النفسية والاجتماعية التي تشوب حياة الإنسان، وكأن الموت في نظره يطهر النفس من أعباء الحياة، ويأخذ الإنسان إلى عالم أكثر نقاءً وصفاءً، وهذه النظرة تحمل شجنا حزينا لكنها مشوبة بالأمل والطمأنينة بعد الموت، سواء للراحل أو للباقين الذين يفتقدونه، فأسلوبه هادئ وتأملي، خالٍ من الصراخ والجزع يحمل تسليما بالحتمية، وعاطفته حزينة مشوبة برغبة في الفهم والتقبل، فالموت عنده تحول من عالم الألم والهم إلى عالم الصمت الخالد والراحة الأبدية، ويكمل في المقطع الذي يليه من القصيدة ذاتها بالقول:
عمَّا قليلٍ يهجرُ عالماً أساسهُ مستلزماتُ الرّياء
عمَّا قليلٍ يمكثُ نائماً جَنبَ جياعِ الخَلْقِ أَوْ أَثرياء
في بلقعٍ يسودهُ دائماً بِرَحْمةِ الباري ظلالُ الغَفـاء
حين أتى الكونَ أتى نادماً، ويرجعُ نادماً نَحْوَ الغَناء
(محمود، 254، 2023).
هنا نلحظ بأن الشاعر يكمل التأمل في الموت، ولكن هذه المرة من زاوية مختلفة، وهي زاوية الانفصال عن عالم زائف ومليء بالمظاهر والتمييز، والعودة إلى الأصل والبساطة، إذ يعلن بأسى في البيت الأول أن الميت بعد وقت قصير سيترك وراءه عالما كل ما فيه مبني على: (مستلزمات الرياء)، أي الزيف والتصنع والمظاهر الكاذبة، فالعالم هنا ليس مكانا حقيقيا، بل حالة مجتمعية تبنى على التمثيل والنفاق الاجتماعي، حيث يعيش الناس لإرضاء أعين الآخرين لا ضمائرهم، فالمعنى هو أن الموت تحرر من الزيف الاجتماعي، ومن حياة خالية من الصدق، فيشعر بالخذلان من الدنيا، وبأن الموت يقدم الخلاص من هذا الزيف، وفي البيت الذي يليه يتأمل وضع الميت: (نائما)، وبموته لم يعد يُثقل كاهله بجوع الفقراء ولا بغرور الأغنياء: (جنب جياع الخلق أو أثرياء)، وربما هذه العبارة تحمل معنيين: إما أنه-الميت-لم يكن مسؤولا عن تعاسة هؤلاء ولا غناهم، أو أنه بمجرد موته أصبح بمعزل عن هذه الفوارق الطبقية، فإن في الموت تتساوى الطبقات، وتنتهي التناقضات الطبقية، وترى في الموت مساواةً وعدلًا لا يتحقق في الحياة، أما في البيت الثالث قوله: (بلقع) التي تعني أرضا خالية قاحلة، ربما يرمز إلى القبر أو الموت، ولكن رغم هذا الخواء، يصفه بأنه يسوده دائما: (ظلال الغفاء) أي النوم الهادئ المنبعث من: (رحمة الباري)، وكأنه يقول بأن الموت رغم ما يبدو عليه من وحشة، إلا أنه يظل مكانا للسكينة التي يمنحها الله تعالى، فإن القبر ليس مخيفا، وإنما هادئا إذا نظرنا إليه بعدسة الرحمة الإلهية، فنجده متصالحا مع الموت ولديه طمأنينة روحية عميقة، ويختم هذا المقطع بتصوير الإنسان وكأنه دخل الحياة نادما، ويغادرها كذلك، وربما يقصد بـ (الكون) هي الحياة المادية، و(الغناء) عالم ما بعد الموت أو العودة إلى الأصل، فإن في كلا الاتجاهين (ندم) على حياة عاشها الإنسان وسط الزيف، أو ندم على الخطايا أو ما فاته، فالحياة سلسلة من الندم، والموت عودة إلى النقاء، فنلحظ نبرته حزينة ولكنها واقعية، تعكس تأملا فلسفيا عميقا في معنى الوجود، فإنه قد استعمل أسلوب المقارنة الضمنية، حيث قارن ضمنا بين عالم الأحياء (المليء بالرياء) وعالم الأموات (المليء بالرحمة والسكينة)، فهذين المقطعين من قصيدته: (عمّا قليل)، يبرزان شاعرا تجاوز الرثاء إلى نظرة شاملة للإنسان، والحياة، والموت، فهو لا ينوح وإنما يتأمل، ولا ينهار وإنما يعرّي الحياة من زيفها، ويمنح الموت تمجيدا مريحا، ولعل التكرار في العبارة: (عمّا قليل) في المقطعين السابقين من القصيدة يحمل بين طياته دلالات قوية ومعان متعددة، ربما يكون الإلحاح بقرب النهاية وتضعنا أما واقع لا مهرب منه، وبأن الموت وشيك، مما صعّدت من الإحساس بالزمن الضيق والوداع القريب، وكأنه بتكرارها يمهد النفس لقبول ما هو قادم، أو ربما يوجهنا هذا التكرار إلى إدراك أن الموت ليس احتمالا، بل يقينا قادما، ويجب التوقف والتفكر فيه، فإن هذا التكرار جعل النص متماسكا ومنح بنية موسيقية وفكرية موحدة، وربط المقطعين ببعضهما وكأنهما فقرتان من تأمل واحد ومتواصل في رحيل والده وفي فناء الإنسان عموما.
إن الثيمة المهيمنة على القصيدة هي التأمل الوجودي في الموت بوصفه مصيرا حتميا، وراحة من معاناة الحياة، وفناء الإنسان، فالقصيدة قطعة شعرية عميقة، تنبض بالفقد، وتفيض بالفكر الوجودي، كتبها بيربال وهو واقف على حافة الوداع، يراقب والده يقترب من النهاية، فتتسرب إليه أسئلة الحياة والموت، وتتمازج العاطفة بالتأمل الإنساني، ولعل بؤرة الدلالة في القصيدة هي إنسان يحدق في الموت، ويحاول أن يجد له معنى، لكنه يعود إلى التسليم، إلى طلب الغفران، وإلى الإيمان أمام عجز العقل عن الإحاطة بكل شيء، فهي تسير من الحزن الخاص إلى التأمل العام، فتلامس قلوبنا بعاطفتها، وتوقظ عقولنا بأسئلتها.
هكذا فقد كانت لنا وقفات عند العديد من قصائد بيربال محمود في هذا البحث بالدراسة والتحليل وبيان أبرز الموضوعات والجماليات والسمات المميزة لهذه القصائد التي تشكلت بجملة من الموضوعات الرومانسية التي منها: الحنين، والحب والغرام، واللجوء إلى الطبيعة، والنزعة الإنسانية، وهنالك موضوعات أخرى تميز بها الأدب الرومانسي، لكننا وقفنا عند هذه الموضوعات الأربعة في شعره، لأننا لاحظنا بأن هذه الموضوعات بارزة في شعره وشكلت أبرز مظاهرها، هذا هو الشاعر الرومانسي الكوردي بيربال محمود الذي صدح الفردوس بشعر رومانسي جميل لا يقل جمالا عن شعر كبار شعراء الرومانسية أمثال جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، وإيليا أبي ماضي، وغيرهم من أعلام الرومانسية العربية.
4-الخاتمة ونتائج البحث:
1-تشكلت العديد من قصائد الشاعر بيربال محمود في ديوانه (صادح الفردوس) بأبرز الموضوعات التي تناولها الرومانسيون في أشعارهم، ومنها: موضوع الحنين وتحديدا الحنين إلى الماضي والحب والغرام، فضلا عن موضوع اللجوء إلى الطبيعة لا سيما الطبيعة الخلابة لوطنه كوردستان، والنزعة الإنسانية في تناوله للمشكلات الشخصية وكذلك مشكلات الفرد والمجتمع.
2-عانى الشاعر لسنوات عديدة من الاغتراب داخل وطنه، عندما كان مسجونا على أيدي النظام البعثي البائد، لذلك لاحظنا بأن حنينه كان صادقا ونابعا من تجاربه الشخصية.
3-إن تعبيره عن الحب والغرام كان انعكاسا لتجاربه ومعاناته العاطفية والنفسية؛ لأنه عاش تجربة حقيقية في الحب قبل أن يخطف القدر خطيبته في ليلة زفافهما.
4-تأثر بيربال محمود بالرومانسية العربية، وبخاصة شعراء المهجر، لا سيّما في تشكيله للموضوعات مقتديا في ذلك بالعديد من أعلام الرومانسية العربية.
5-كان أسلوبه متنوعا مقتربا في ذلك من لغة الرومانسيين المتلهفين للتجديد والتنوع والتمرد على التقليد، فوجدنا أسلوبه تارة سرديا مباشرا خاليا من الزخرفة، وتارة متسما بالنغمة التأملية، وتارة أخرى وجدانيا رقيقا في مزجه بين الطبيعة والإنسان والمشاعر.
5-المصادر والمراجع:
5-1-الكتب:
-إسماعيل، عز الدين، (د ت)، الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، ط 3، دار الفكر العربي، مصر.
-حسن، عبد الكريم، (1990)، المنهج الموضوعي نظرية وتطبيق، ط 1، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت-لبنان.
-حسن، محمد عبد الغني، (1955)، الشعر العربي في المهجر، د ط، مطبعة الخانجي، القاهرة-مصر.
-الحمداني، سالم أحمد، (1989)، مذاهب الأدب الغربي ومظاهرها في الأدب العربي الحديث، د ط، مطبعة التعليم العالي، الموصل-العراق.
-الخشن، الشيخ حسين أحمد، (2014)، وهل الدين إلا الحب، ط 1، المركز الإسلامي الثقافي، مجمع الإمامين الحسنين عليهم السلام، لبنان.
-الشعر، أنور، (2016)، النزعة الإنسانية في الشعر العربي المعاصر-في فلسطين والأردن 2000-2010، د ط، مطبعة السفير، عمان-الأردن.
-صالح، عثمان أمين، (2008)، شاعران من أربيل، ط 1، مديرية مطبعة الثقافة، أربيل-العراق.
-صبح، علي علي مصطفى، (1980)، في النقد الأدبي، الجامعة الأمريكية المفتوحة.
-عباس، إحسان، (1978)، اتجاهات الشعر العربي المعاصر، د ط، دار القبس، الكويت.
-عبد الدايم، صابر، (1993)، أدب المهجر دراسة تأصيلية تحليلية لأبعاد التجربة التأملية في الأدب المهجري، ط 1، دار المعارف، القاهرة-مصر.
-عثمان، نغم عاصم، (2017)، الرومانسية بحث في المصطلح وتاريخه ومذاهبه الأدبية، ط 1، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية-العتبة العباسية المقدسة، كربلاء-العراق.
-علوش، سعيد، (1989)، النقد الموضوعاتي، ط 1، شركة بابل للطباعة والنشر، الرباط-المغرب.
-علي، فايز، (2015)، الرمزية والرومانسية في الشعر العربي من امرئ القيس إلى أبي القاسم الشابي دراسة في علاقة -الشعر بالأسطورة، ط 2، دار كتب عربية.
-قميحة، مفيد محمد، (1981)، الاتجاه الإنساني في الشعر العربي المعاصر، د ط، دار الآفاق الجديدة، بيروت-لبنان.
-قيسومة، منصور، (2013)، مدخل إلى جمالية الشعر العربي الحديث، ط 1، الدار التونسية للكتاب، تونس.
-محمود، بيربال، (2023)، صادح الفردوس، ط 1، دار كلمات للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق-سوريا.
-الناعوري، عيسى، (1977)، أدب المهجر، ط 3، دار المعارف، مصر.
-هلال، محمد غنيمي، د ت، الرومانتيكية، د ط، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة-مصر.
5-2-المجلات:
-أحمدي، سيد رضا مير، وآخرون، (2012)، أشكال الحنين إلى الماضي في شعر بدر شاكر السياب، مجلة دراسات في اللغة العربية وآدابها، ع 11.
-الريح، هويدا محمد، (2017)، صورة الحنين في شعر ابن زيدون دراسة فنية، مجلة كلية اللغة العربية بجرجا، جامعة الأزهر، مج 21، ع 5.
-فرحات، درية كمال، (2024)، تجليات القيم الإنسانية قس الأدب العربي المعاصر أدب سماح إدريس أنموذجا، مجلة أوراق ثقافية، بيروت-لبنان، ع 29.
-مصطفى، رشاد كمال، ومحمد، قاسم محمود، (2023)، مظاهر رومانسية في شعر بيربال محمود-ديوان همسة العشاق أنموذجا، مجلة زانكو للعلوم الإنسانية، مج 27، ع SpB.
-المقدسي، أنيس، (1952)، اتجاه الأدب الحديث إلى الطبيعة، مجلة الرسالة، دار الرسالة، القاهرة-مصر، ع 994.
5-3-الرسائل والأطاريح:
-خديجة وفاطمة، بن فريحة، (2018-2019)، شعر أمل دنقل دراسة موضوعاتية، رسالة ماجستير، قسم اللغة والأدب العربي، كلية الآداب واللغات، جامعة ابن خلدون-تيارت، الجزائر، بإشراف: الأستاذ الدكتور بن يمينة رشيد.
5-4-شبكة المعلومات العالمية:
-خيري، محفوظ ولد، (2014)، بواعث الحنين والشوق في القصيدة العربية، مقال منشور في منتدى (إسلام ويب) بتاريخ 27/3/2014 م، متاح على شبكة المعلومات العالمية على الرابط الألكتروني: (www.islamweb.net)، تاريخ المراجعة 9/2/2025.
شێوەسازی بابەتە ڕۆمانسییەکان لە شێعری بیربال مەحموددا
پوختە:
ئامانجی ئەم توێژینەوەیە، ئاشکراکردنی بابەتە شیعرە رۆمانسییە سەرەکییەکانە کە لە هەندێک ئەبیات وشیعری شاعیرێکی کوردی ھەولێری بەناوی پیربال مهحمود (١٩٣٤–٢٠٠٤) تێدا دیاری دەبن. ئەم شاعیرە یەکێکە لە شاعیرانی کوردی سەردەمی ئێمەدا کە بە دوو زمان (زمانی عەرەبی وکوردی) شیعر نووسییە. تاقیکردنەوەی شیعرەکانی لە دڵەوە دەکەوێت وخاوەن ڕووناکیەکەیە کە لە تێگەیشتنەکانی شاعیرەکە بەدەربارەی ڕووداوەکان، سروشت، ومرۆڤدایەتی وەردەگرێت. بابەتە رۆمانسییەکان لە زیاتری ئەسەرەکانی تێدایە وحاوی دیدگا ومەوقفە تایبەتییەکانی شاعیرەکەیە. توێژینەوەکە لە شێوازی "مهوزوعی" بەکاردەهێنێت بۆ دیاریکردنی تێمە وبابەتە سەرەکییەکانی هەندێک لە ئەبیاتەکانی، ولە شێوازی "ئئیسلوبی" بۆ نیشاندانی تایبەتمەندییە ئەدەبییەکان ومافە مانایییەکانی ئەم بابەتانە، کە وەک دیاریکراوە بەرزترین تایبەتمەندییە لە شیعرەکانی. گرنگی توێژینەوەکە لەوەدایە کە ڕووناکی دەخاتەسەر شاعیرێکی رۆمانسیی کورد کە ھەژاری توێژین ووەرگرتنی باوەڕی زانستی بووە. توێژینەوەکە پێشەکییەکەی هەیە لەسەر شێوازی شێعرە رۆمانسییەکان وبابەتەکانیان، پاشان پێشوازییەکە ویەک بابەت کە چوار مەطلبی تێدایە. مەطلبی یەکەم: دڵتنگی بۆ بەرواری ڕابردوو؛ دووەم: خۆشەویستی وئاشتی؛ سێیەم: پەناگەی بە سروشت؛ ومەطلبی چوارەم نیشاندانی گرنگیی نزعة ئینسانی. لە کۆتاییدا، گرنگترین ئەنجامەکانی توێژینەوەکەمان وەرگرتووە.
وشە سەرەکییەکان: شێوەسازی، ڕۆمانسیهت، پیربال مهحمود، صادح الفردوس.
FORMATION OF ROMANTIC THEMES IN PIRBAL MAHMOOD'S POETRY
ABSTRACT:
The aim of this study is to explore the prominent romantic poetic themes found in a selection of poems by the Kurdish poet from Erbil, Pirbal Mahmoud (1934–2004). He is one of the contemporary Kurdish poets who wrote poetry in both Arabic and Kurdish. The poet engaged in a poetic experience enriched by his personal stances toward events, nature, and humanity. He addressed romantic themes that reflected his individual perspectives in most of his poetic inclinations. The study adopts a thematic approach to uncover the dominant themes in some of his poems, as well as a stylistic approach to highlight the artistic and semantic aspects of those themes, which are considered significant features of his poetry. The importance of this research lies in shedding light on a romantic Kurdish poet who has not received adequate attention in scholarly studies. The paper includes a prelude on romantic poetic structure and themes, followed by an introduction and four main sections in the first chapter. The first section addresses nostalgia for the past; the second, love and affection; the third, retreat into nature; and the fourth sheds light on the theme of humanism. The study concludes with the key findings drawn from the research.
KEYWORDS: Formulation, Romanticism, Pirbal Mahmoud, Sadih Al-Firdaws.
* الباحث المسؤل.
This is an open access under a CC BY-NC-SA 4.0 license (https://creativecommons.org/licenses/by-nc-sa/4.0/)