الصحف الأمريكية الرئيسية وتغطيتها لانتفاضة كوردستان العراق عام 1991:

دراسة للأحداث والمواقف الرسمية

أيهان جعفر محمد طاهر

قسم التاريخ، كلية التربية الأساسية، جامعة دهوك، إقليم كوردستان - العراق. (ayhan.taher@uod.ac)

تاريخ الاستلام: 02/2025             تاريخ القبول: 06/2025    تاريخ النشر: 08/2025  https://doi.org/10.26436/hjuoz.2025.13.3.1581

الخلاصة:

مثّلت انتفاضة آذار 1991 في كوردستان العراق حدثاً مفصلياً في تاريخ نضال الشعب الكوردي من أجل حقوقه القومية. اندلعت هذه الانتفاضة في أعقاب حرب الخليج الثانية، بالتزامن مع انتفاضة شعبية في جنوب العراق، مستغلةً حالة الضعف التي أصابت الجيش العراقي بعد الهزيمة في هذه الحرب، وحالة السخط الشعبي تجاه نظام صدام حسين. اتّسمت الانتفاضة بمشاركة واسعة من مختلف أطياف الشعب الكوردي، الذين سيطروا على معظم المدن والمناطق الكوردية، مطالبين بالإطاحة بنظام صدام حسين وإقامة حكم ذاتي في كوردستان. حظيت هذه الانتفاضة بتغطية إعلامية واسعة من قبل الصحف الأمريكية الرئيسية، التي ركزت على نقل مجريات الأحداث في كوردستان والعراق. ساعيةً إلى تقديم صورة واقعية عمّا يجري على أرض الواقع، كما سلًطت الضوء على المواقف السياسية للحكومة الأمريكية وتوجهات قادة الكورد. وقد قدّمت هذه التغطية الإعلامية رصداً مهماً، لتطور أحداث الانتفاضة وتداعياتها الدولية، مبرزةً دور الصحافة المهم في توثيق الأحداث التاريخية.

الكلمات المفتاحية: الانتفاضة، الكورد، الصحف، الولايات المتحدة الأمريكية، الحكم الذاتي.


المقدمة

      اعتمدت هذه الدراسة على اختيار مجموعة من أهم الصحف الأمريكية، بهدف الوصول إلى فهم دقيق لكيفية تغطية انتفاضة كوردستان العراق عام 1991. وقد حرصنا على اختيار صحف تتمتع بانتشار واسع في جميع أنحاء الولايات المتحدة، بحيث تغطي مختلف المناطق، واخترنا صحف معروفة بتأثيرها على الرأي العام، وقدرتها على تغيير وجهات النظر، بالإضافة إلى ذلك، تعتبر صحف معروفة بدقتها ومصداقيتها، والتزامها بالمعايير الصحفية في نقل الأخبار.

      شملت الدراسة ست صحف، هي نيويورك تايمز (The New York Times)، واشنطن بوست (The Washington Post)، شيكاگو تريبيون (Chicago Tribune)، لوس أنجلوس تايمز (Los Angeles Times)، وول ستريت جورنال (The Wall Street Journal)، كريستيان ساينس مونيتور (The Christian Science Monitor). وقد سعت الدراسة من خلال تحليل محتوى هذه الصحف إلى الإجابة عن العديد من الأسئلة المهمة، منها: كيف صورت الصحافة الأمريكية انتفاضة كوردستان؟ وما هي الزوايا التي ركزت عليها في تغطيتها؟ وكيف تعاملت مع المواقف الرسمية الأمريكية من الانتفاضة.

      تضمن البحث عنوانين فرعيين، أولهما "بروز القضية الكوردية وتأثيراتها السياسية في الصحف الأمريكية"، والذي تناول محاولات الكورد، استغلال الظروف السياسية التي شهدها العراق بعد غزو الكويت في آب 1990، وسعيهم لإقامة علاقات مع دول مختلفة لدعم قضيتهم، بهدف التمهيد لعملية عسكرية ضد الحكومة المركزية. أما الثاني فحمل عنوان "اندلاع الانتفاضة وتغطية الصحف الأمريكية لأحداثها"، حيث ركز على نقل الصحف الأمريكية لتطورات وأحداث الانتفاضة في كوردستان العراق، والنتائج المترتبة عليها.

بروز القضية الكوردية وتأثيراتها السياسية في الصحف الأمريكية بعد الغزو العراقي للكويت عام 1990:

       شهدت السياسة الأمريكية تجاه الكورد في الثمانينات، تذبذباً ملحوظاً، بين إدانة الجرائم الإنسانية التي ارتكبتها الحكومة العراقية بحقهم، والحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في المنطقة. ففي حين قدمت الولايات المتحدة الأمريكية دعماً عسكرياً واستخباراتياً، واسع النطاق لصدام حسين خلال حربه ضد إيران، مما شجعه على ارتكاب جرائم إبادة جماعية، مثل استخدام الأسلحة الكيمياوية في حملات الأنفال، إلا أنها أدانت علناً هذه الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان. هذا التناقض يعكس تعقيدات السياسة الدولية وتأثير توازنات القوى على مصير الشعوب.

       سعى الكورد المقيمين في الولايات المتحدة، إلى تسليط الضوء على أوضاع الشعب الكوردي في العراق، وتركيا، وسوريا، وإيران، فعقد المؤتمر الوطني الكوردي في أمريكا الشمالية (Kurdish National Congress of North America) في الفترة من الرابع إلى الخامس من شهر آب 1990، وحضره حوالي (100) مندوب من الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأوربا، وحظي بحضور عدد من الشخصيات الأمريكية، مثل روستي كينيدي (Rusty Kennedy) المدير التنفيذي للجنة العلاقات الإنسانية، في مقاطعة أورانج (Orange) في ولاية كاليفورنيا، و جيم بيتس (Jim Bates) عضو مجلس النواب الأمريكي، وماجدالينو روز أفيلا (Magdaleno Rose-Avila)، المدير الإقليمي الغربي لمنظمة العفو الدولية (Amenisty)، وأكد بيتس في كلمته التي القاها أمام المؤتمر بالقول " لقد كان الكورد، ضحايا لانتهاكات منهجية و وحشية لحقوق الإنسان، وتجلى ذلك بوضوح خلال الحرب العراقية-الإيرانية، التي عانوا فيها الأمرّين"، وقال روز أفيلا إنه سيركز على التقرير الدولي، الذي أصدرته منظمة العفو الدولية مؤخراً، لتوضيح مدى خطورة الاضطهاد الذي يتعرض له الكورد، موضحاً "أن الكورد، كانوا ضحايا للقمع الحكومي القاسي وانتهاكات حقوق الإنسان"،  وأشارت بأن الكورد هم ضحايا الحرب الكيماوية أثناء الحرب الإيرانية-العراقية(Los Angeles Times, August 3, 1990, P. OCB2).

       سبق وأن وجه المؤتمر الوطني الكوردي في أمريكا الشمالية قبيل انعقاده، دعوة رسمية إلى جلال الطالباني، السكرتير العام لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني لحضور المؤتمر. وقد أشار الطالباني في مذكراته إلى هذه الدعوة، قائلاً "إن الولايات المتحدة كانت تنظر إلى القضية الكوردية من منظور مبادئ حقوق الإنسان، وفي هذا الإطار، عيّنت موظفاً في سفارتها بباريس، ليكون حلقة وصل مع الكورد". ويضيف الطالباني "وجه المؤتمر دعوة شخصية إليّ لحضور أعماله، فتوجهت إلى السفارة الأمريكية في باريس، لطلب الحصول على تأشيرة دخول. وتزامن مع هذه الزيارة، تصاعد التوتر بين العراق والكويت، وتحرك القطعات العسكرية العراقية في جنوب العراق في تموز 1990. فناقشت مع موظف السفارة أهداف هذه التحركات العسكرية، وقلت له، إن المعلومات التي بحوزتي تشير إلى أن الهجوم العراقي لا يستهدف إسرائيل بل الكويت، وأن العراق سوف يحتل هذا البلد، ولكن الموظف لم يوافقني على هذا الرأي"(مام جەلال دیداری تەمەن لە لاوێتیە بۆ کۆشکی کۆماری، 2017، ل ل194-195).

     أشار جلال طالباني خلال وجوده في واشنطن، بأنه حذر المسؤولين الأمريكيين في اجتماعه مع مسؤولي السفارة الأمريكية في باريس في تموز من أن العراق كان يعد خطة عسكرية لغزو الكويت، لكن قوبل تعليماته بتشكك من قبل المسؤولين الأمريكيين، رداً على تصريح طالباني، ذكر مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية إنه لن يكون هناك تعليق على تصريحات طالباني. من جانبه حاول طالباني([1]) استغلال وجوده في واشنطن، للحصول على دعم أمريكي، مستغلاً المواقف الصارمة التي تبنتها الإدارة الأمريكية، بعد غزو العراق للكويت في الثاني من آب 1990. فقد أشار إلى أن هدفه من الزيارة، هو تقييم مدى استعداد إدارة الرئيس جورج بوش (الأب)(George H. W. Bush) (1989-1993) لدعم التمرد داخل العراق، واستعداد الكورد وأطراف المعارضة العراقية للعمل المشترك، للإطاحة بنظام صدام حسين، وإقامة نظام ديمقراطي يضمن حرية وحقوق الشعب العراقي، ويضمن للكورد حقهم في الحكم الذاتي ضمن الدولة العراقية. ورغم ذلك، لم تلق زيارة طالباني أي اهتمام يذكر من جانب وزارة الخارجية الأمريكية أو البنتاگون أو وكالة المخابرات المركزية. فقد صرّح مسؤول في الخارجية الأمريكية بأن الإدارة الأمريكية، لن تجتمع بطالباني، مؤكدًا أن اهتمام الولايات المتحدة بالقضية الكوردية، يقتصر على الجانب الإنساني ولا يتعدى ذلك (The Washington Post, August 16, 1990, P. A35).

      دفعت التعبئة الدولية ضد صدام حسين بالكورد إلى تصعيد مطالبهم، حيث سعوا للحصول على دعم خارجي لمواجهة النظام، إلا أن هذه الجهود اصطدمت بمعوقات عديدة، فتركيا العضو الرئيسي في التحالف الدولي ضد العراق، عارضت أي دعم للكورد، خشية من امتداد تأثيراتها إلى الكورد في تركيا. أما الولايات المتحدة، فرغم إعلانها دعم الحقوق الإنسانية للكورد، إلا أنها ترددت في تقديم دعم عسكري مباشر، خشية تأجيج صراعات إقليمية جديدة(The Washington Post, September 17, 1990, P. A19; The Christian Science Monitor (1908-); October 24, 1990. P. 19.).

      زار الرئيس العراقي صدام حسين، مدينة السليمانية في الخامس والعشرين من تشرين الأول عام 1990، في خطوة تهدف إلى تعزيز الجبهة الداخلية في مواجهة التحديات الخارجية، وقد شملت زيارته جولة في بعض أحياء المدينة، حيث أكد في حديث نشرته جريدة الجمهورية الرسمية، على أهمية الأمن والاستقرار، كأساس لتحسين الظروف المعيشية. كما تطرق صدام حسين إلى الحقوق القومية للكورد، داعياً إلى تضافر الجهود لتحقيق الازدهار. وفي سياق حديثه عن الصراع المسلح بين الحكومة المركزية والكورد، أشار إلى أن حمل الكورد للسلاح، منذ عام 1961، لم يسفر عن نتائج تذكر، مقترحاً هدنة مدتها خمس سنوات قائلاً "اعطونا مدة خمس سنوات، نترك فيها السلاح، فإن رأينا حالنا قد تحسن، واصلنا على هذا النهج، وإن تحسن أكثر ندفن السلاح ونقول انتهى الأمر، أما إن كان العكس، أي بعد ثلاثين عاماً من حمل السلاح، ولم نحقق الاستقرار المنشود، فسنحمل ألف بندقية لمحاربة الظلم..."(جريدة الجمهورية، 26 تشرين الأول 1990، ص1). كانت هذه زيارته الثانية خارج بغداد، منذ غزو الكويت في الثاني من آب من نفس العام، حيث سبق له زيارة مدينة الكويت، في وقت سابق من ذلك الشهر، وجاءت هذه الزيارة في إطار التحضيرات، لمواجهة عسكرية محتملة مع القوات متعددة الجنسيات، التي أخذت تتجمع لإخراجه من الكويت(Los Angeles Times, October 26, 1990, P.1).

      انطلقت عاصفة الصحراء في السابع عشر من كانون الثاني عام 1991، لتلقي بظلالها على تطورات متسارعة شهدتها المنطقة، وعاد أكثر من (2000) مقاتل كوردي (پێشمەرگە)([2]) إلى كوردستان العراق، بهدف الاستعداد لعمليات عسكرية ضد حكومة صدام حسين، إلا أن القادة الكورد، شدّدوا على ضرورة انتظار إضعاف القوة العسكرية لبغداد، قبل الشروع في القتال، خشية التعرض لردّ انتقامي عنيف على غرار مأساة حلبجة. وفي تلك الأثناء، واجه الكورد صعوبات في التنسيق مع التحالف، الذي قادته الولايات المتحدة، كما شعروا بـتجاهل الغرب لحقوقهم، في أي مباحثات سلام مستقبلية تخص الشرق الأوسط، ويعود ذلك إلى الضغوط التركية التي هدفت إلى منع التنسيق مع الكورد، والتي تمثلت في خط أنابيب النفط العراقي الذي يمر عبر أراضيها، وسماحها للطيران الحربي الأمريكي باستخدام القواعد التركية. حاول زعماء الكورد طمأنة جميع الأطراف الإقليمية والدولية، بأن الكورد لا يسعون إلى الاستقلال، فقد صرّح محمود عثمان، زعيم الحزب الاشتراكي الكوردستاني، أن الكورد لا يسعون إلى تقرير المصير أو الاستقلال، بل يطالبون فقط بالحقوق الإنسانية والمدنية داخل العراق وإيران وتركيا(The Washington Post, January 24, 1991, P. A18.).

      بيّن الكورد عزمهم على مواصلة مواجهة حكومة صدام حسين، حيث أعلن جلال طالباني أنهم يواجهون بغداد بمفردهم، دون دعم خارجي فاعل، وأوضح بأنه قد صدرت الأوامر للمقاتلين الكورد، بالاستعداد للهجوم على المناطق الكوردية والسيطرة عليها والدفاع عنها، مستغلين انسحاب القوات العراقية من مناطقهم، نحو الجنوب لدعم الغزو العراقي للكويت. وقد تمركز المقاتلون الكورد حول المدن الكوردية الرئيسية مثل السليمانية وأربيل ودهوك. وتوقع جلال طالباني أن تشهد المرحلة التي تلي سقوط نظام صدام حسين، صعود حكومة عراقية ضعيفة، مما سيجبرها على الاستجابة للمطالب الكوردية بالحكم الذاتي. ومع ذلك، أبدى قلقه من إمكانية توصل الحلفاء إلى اتفاق مع صدام حسين، الأمر الذي سيمكنه من قمع الكورد مرة أخرى(The Washington Post, January 24, 1991, P. A18.). يتضح بأن الكورد كانوا في موقف حرج مع انطلاق عاصفة الصحراء، فوجدوا أنفسهم في موقف شديد التعقيد. فبينما سعوا لاقتناص هذه الفرصة التاريخية لمواجهة نظام صدام حسين، كانوا يخشون في الوقت نفسه من رد فعله الانتقامي الشرس. وقد تفاقم وضعهم بسبب ضعف التنسيق مع القوات المتحالفة، فضلاً عن التجاهل الذي واجهوه من قبل القوى الغربية، والتي رضخت للضغوط التركية، متجاهلة بذلك الحقوق المشروعة للشعب الكوردي.

      مع تصاعد المخاوف التركية عقب اندلاع الحرب، منح البرلمان التركي الرئيس تورگوت أوزال (1989-1993)، صلاحيات عسكرية واسعة، تسمح له بنشر القوات المسلحة خارج حدود تركيا، وقد أكد مسؤولون أتراك أن هذه السلطات قد تستخدم في حال اتخذ الكورد العراقيون، خطوات نحو إقامة كيان مستقل(The Washington Post, January 24, 1991, P. A18). سعت تركيا جاهدةً لضمان دور فاعل في تشكيل مستقبل المنطقة في مرحلة ما بعد هزيمة العراق في الحرب، ولتحقيق ذلك، عملت على المشاركة بفعالية في مناقشة القضايا الإقليمية، وعلى رأسها المسألة الكوردية، وذلك بهدف التصدي لأي تطورات كانت قد تهدد وحدتها الوطنية. وأعرب الرئيس التركي تورگوت أوزال، عن مخاوفه من قيام دولة كوردية مستقلة، مهدداً بالتدخل عسكرياً في العراق لمنع ذلك، وكبح أي توجهات انفصالية داخل تركيا. وفي خطوة دبلوماسية تهدف إلى تحسين صورتها الدولية، وتعزيز موقفها في محادثات مستقبلية، أعلنت الحكومة التركية عن عزمها، رفع الحظر المفروض على استخدام اللغة الكوردية. أبدى زعماء الكورد في تركيا، ودبلوماسيون غربيون في أنقرة، تحفظاتهم على هذا القرار، حيث اعتبروه تغييراً شكلياً لا يقدم أي حلول فعلية لمطالبهم القومية(Chicago Tribune, February 6, 1991, D8).

     سعى الكورد من جانبهم إلى تبديد المخاوف التركية بشأن طموحاتهم، في إقامة  دولة  كوردية  مستقلة، في حال انهيار حكومة بغداد، وفي هذا السياق نفى مسعود البارزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني، مسألة إقامة دولة كوردية مستقلة، ودعا إلى الحوار مع الحكومة التركية في مناخ  ديمقراطي، مشيراً إلى أن هذا الحوار "سيكون ذا منفعة متبادلة، ويزيل الكثير من سوء  الفهم، والمخاوف والمفاهيم الخاطئة لدى تركيا"، وأضاف  البارزاني "إذا  كان  لدى  تركيا  برنامج  سياسي، فنحن  مستعدون  لمناقشته"، كما حاول طمأنة تركيا، مؤكداً أنه في حال انتهاء الحرب وسيطرة الكورد على مناطقهم، فلن يسمحوا بأن تصبح هذه المناطق قاعدة  للإضرار بتركيا. وأعرب البارزاني عن قلقه، من إمكانية تجاهل المجتمع الدولي، لحقوق الكورد في الترتيبات السياسية والأمنية في مرحلة ما بعد الحرب، مشيراً إلى "خيانة" الحكومة الأمريكية للكورد في السبعينيات، عندما قطعت الدعم عنهم، ورغبته في عدم تكرار تلك التجربة المريرة. كما حمّل البارزاني الولايات المتحدة، والاتحاد السوفييتي، وفرنسا، وبريطانيا، "المسؤولية أخلاقية"، عن "الجرائم المروعة" التي ارتكبها صدام حسين ضد الكورد في العراق(The Washington Post, February 17, 1991,  pg. A43).

        بعد الانتصارات الساحقة التي حققها قوات التحالف على الجيش العراقي، أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش، في الثامن والعشرين من شباط 1991، في خطاب تلفزيوني موجه "للأمة الأمريكية"، انتهاء الحرب، وأمر بوقف جميع العمليات القتالية الهجومية ضد القوات العراقية، وذلك بعد أربعة أيام من بدء الهجوم البري لتحرير الكويت. وقد أعلن بوش النصر الحاسم لقوات التحالف، داعياً في الوقت نفسه الشعب العراقي، إلى التخلص من نظام صدام حسين(Chicago Tribune, February 28, 1991, P.D1). انطوت دعوة الرئيس بوش للشعب العراقي للتخلص من نظام صدام حسين على دلالات سياسية عميقة، تجاوزت مجرد الرغبة في تغيير النظام، فقد عكست هذه الدعوة عدم ثقة الإدارة الأمريكية بصدام حسين، حتى بعد هزيمته العسكرية، وكشفت عن مسعى أمريكي واضح لتحريض الشعب العراقي على تغيير نظام الحكم، بما يخدم مصالح الولايات المتحدة ويحقق أهدافها السياسية في المنطقة.

       عقدت في الثالث من آذار 1991، مفاوضات وقف إطلاق النار في منطقة صفوان العراقية، جمع بين القائد العسكري للتحالف، نورمان شوارزكوف (Norman Schwarzkopf)، ونظيره العراقي سلطان هاشم، تمخّض عنه قبول العراق، بشروط وقف إطلاق النار التي وضعها التحالف. وأعلن شوارزكوف في مؤتمر صحفي، أنّ الاتفاق الشامل تضمّن تبادل أسرى الحرب فوراً، وإطلاق سراح جميع المدنيين الكويتيين المحتجزين، مع التأكيد على سحب قوات التحالف من الأراضي العراقية فور توقيع وقف إطلاق النار، معرباً عن تفاؤله بتحقيق سلام دائم. وفي مذكراته، يكشف شوارزكوف عن طلب سلطان هاشم السماح للعراق، باستخدام الطائرات المروحية، لنقل المسؤولين إلى المناطق المتضررة من القصف، وهو طلب وافق عليه شوارزكوف مشترطاً عدم تحليقها فوق مناطق قوات التحالف، وأن يكون الإذن مقتصراً على الطائرات المروحية دون مقاتلات ثابتة الجناح(نورمان شوارتزكوف، 1993، ص ص290-291.).

       في ضوء هذه التطورات، بادر الكورد إلى طلب الدعم الأمريكي لقضيتهم، فقد أرسل د. أسعد خيلاني، رئيس المؤتمر الكوردي لشمال أمريكا، رسالة إلى الرئيس جورج بوش، أوضح فيها أن وفداً من القادة الكورد العراقيين، ضمّ كلاً من جلال طالباني ممثل الجبهة الكردستانية([3]) العراقية، وهوشيار زيباري، وسامي عبد الرحمن، قد زاروا واشنطن في الفترة من السابع والعشرين إلى الثامن والعشرين من شباط 1991، وقد أعرب الوفد خلال زيارته، دعمه لإقامة نظام ديمقراطي في العراق، يكفل الحقوق القومية للكورد. جاءت هذه التأكيدات الكوردية خلال مؤتمر حقوق الإنسان الكوردي، الذي نظمته دانيال ميتران، زوجة الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران (1985-1995)، برعاية مؤسسة حقوق الإنسان التابعة للكونگرس، وأكد خيلاني في رسالته على تجاهل مسؤولي الإدارة الأمريكية للقادة الكورد، موضحاً على الرغم من حضورهم مؤتمر حقوق الإنسان الكوردي، إلا أنهم لم يلتقوا بوفد الكورد، وتجاهلوا طلباتهم المتكررة، لعقد اجتماعات لمناقشة القضية الكوردية، بل وصل الأمر إلى حد إلغاء الاجتماع المقرر مع السفير شيفتر (Shifter)، مدير حقوق الإنسان بوزارة الخارجية الأمريكية. وحثّ خيلاني الإدارة الأمريكية، على تقديم المساعدة للمعارضة العراقية، لإطاحة صدام حسين عن الحكم وتقديمه للقضاء، والعمل على تشكيل حكومة عراقية مؤقتة، وفتح حوار فوري مع القادة الكورد للتأثير على مستقبل العراق وبناء نظام ديمقراطي فيه(Dr. Asad Khailany’s letter to Gorge Bush, 1991). بناءً على ما سبق، يمكن الاستنتاج أن هذه المساعي، قد هدفت إلى لفت انتباه الإدارة الأمريكية إلى ضرورة التواصل المباشر مع قادة الكورد والاعتراف بقضيتهم، في ظل ما بدا آنذاك من تجاهل أمريكي لمطالبهم.

      بيَّن إدموند جي هل (Edmund J. Hull)، مدير مكتب شؤون شمال الخليج (العراق-أيران) في وزارة الخارجية الأمريكية، في معرض رده على رسالة خيلاني على اهتمام الولايات المتحدة بمعاناة الكورد في العراق، جراء انتهاكات حقوق الإنسان، مشيراً إلى مناقشة هذه القضية مع القيادة العراقية مراراً، كما أوضح دعم الولايات المتحدة، لمساعي تحسين حقوق الإنسان في العراق، مع التأكيد على رفض أي تغيير في الحدود بين العراق وتركيا. وأكد هل ترحيب الولايات المتحدة بأي تحرك من الشعب العراقي، لإقامة نظام ديمقراطي يحترم حقوق جميع مواطنيه، دون تأييد أي فصيل معارض معين. ونفى هل مزاعم رفض الإدارة الأمريكية لقاء القادة الكورد، موضحاً عقد مساعد السفير شيفتر لقاءات مع ممثلي الجمعية الكوردية الأمريكية، وممثلين عن مؤتمر حقوق الإنسان الكوردي. وأكد استمرار التواصل مع منظمات المعارضة العراقية، بما في ذلك الجماعات الكوردية مع التأكيد على تقييم طلبات الاجتماعات بشكل فردي(Edmund J. Hull’s, 1991). يتضح من ردّ إدموند هل، حرص الولايات المتحدة على إظهار اهتمامها بقضية الكورد في العراق في إطار حقوق الإنسان، ونفي أي تقصير في التواصل معهم، لكن دون التزام واضح بدعم قضيتهم أو التدخل في الشأن العراقي، وحافظت على مسافة واحدة من جميع الفصائل السياسية العراقية، بما في ذلك الكورد، دون إظهار دعم فعلي لقضيتهم.

اندلاع الانتفاضة وتغطية الصحف الأمريكية لأحداثها:

      شجع الموقف الأمريكي الشعب العراقي على الخروج على نظام صدام حسين، مما أدى إلى اندلاع انتفاضة شعبية عارمة في جنوب العراق، مدفوعة بسنوات من القمع السياسي والاقتصادي. ما إن اندلعت الانتفاضة، حتى امتدت بسرعة لتشمل مناطق الفرات الأوسط، ثمّ اشتعلت شرارتها في كوردستان([4])، منطلقةً من بلدة رانية، في الخامس من آذار 1991. ووفقاً لصحيفة شيكاگو تريبيون (Chicago Tribune) الأمريكية، سيطر الكورد على ست بلدات صغيرة بعد قتال مع الجيش العراقي،  وهي (رانية، وچوارقورنە، وخبات، وداراتو، واسکی کلک، وصلاح الدين)، وثم امتدت الى مراكز مدن السليمانية، في السابع من آذار، واربيل في الحادي عشر من آذار، وفي دهوك في الرابع عشر من آذار، وفي تطور متصل نفى جلال طالباني، أن يكون هدف الكورد هو الاستقلال، مؤكداً سعيهم لإقامة نظام فدرالي في العراق قائلًا "نحن واقعيون، ونعلم أنه من المستحيل تغيير الحدود"، ودعا طالباني  إلى تشكيل حكومة ائتلافية، تضم  جميع  جماعات  المعارضة،  واقترح  استبدال  منصب  رئيس الجمهورية بمجلس رئاسي، مؤكداً رفض الكورد للدكتاتورية، وسلط طالباني الضوء على التباين، بين رؤية الكورد ورؤية الولايات المتحدة للمستقبل السياسي للعراق، قائلًا "بينما تفكر الولايات المتحدة، في تشجيع جنرال ليحل محل صدام حسين، نحن نؤمن بأن الحكم العسكري، سيؤدي إلى استمرار القمع. نحن في الجانب الكوردي نؤيد الديمقراطية وحق تقرير المصير"، وأشار طالباني إلى سعي الكورد للحصول على دعم دول الجوار، كإيران، وسوريا، وتركيا، على الرغم من أن هذه الدول، تخشى أن تؤدي الانتفاضة، إلى تغذية مطالب الكورد بالانفصال، وإقامة دولة مستقلة، أو أن تلهم الكورد في بلدانهم، للمطالبة بحقوق أوسع. ومع ذلك، أكد في ختام حديثه على إجماع دول الجوار على أهمية أن تكون للعراق حكومة تمثل إرادة الشعب(Chicago Tribune, March 6, 1991, P. D1). سبق أن حاول جلال الطالباني، تبديد مخاوف دول الجوار العراقي، مؤكداً في مقابلة صحفية أجريت معه في تشرين الثاني 1990، على ضرورة تبني أهداف سياسية واقعية، مشدداً على قوله " نسعى لبناء عراق ديمقراطي، نفخر فيه بهويتنا العراقية"(The New York Times, March 27, 1991, pg. A8.).

      لعبت كل من سوريا وإيران، دوراً هاماً في دعم الانتفاضة، فقد شجعت سوريا جماعات المعارضة العراقية، وساندت دعوات المنفيين في دمشق للعراقيين، لحمل السلاح ضد حكومة بغداد، كما ساهمت إيران، في دعم الجماعات التي قادت الانتفاضة في الجنوب، ويبدو أن هذا الدعم الإقليمي، كان مدفوعا بتخوف هاتين الدولتين، من تمكن النظام العراقي من قمع الانتفاضة، وإعادة بسط نفوذه بالقوة(The New York Times, March 8, 1991, pg. A8). من جانبها اتهمت الحكومة العراقية إيران بالضلوع، في التحريض على زعزعة الاستقرار الداخلي للبلاد، فأصدرت وزارة الاعلام العراقية في الرابع عشر من اذار 1991، بياناً نفت فيه التقارير التي بثتها الإذاعة الإيرانية، عن اندلاع مواجهات في العاصمة، بين المتظاهرين المناهضين للحكومة، والجنود جملةً وتفصيلاً، ووصفتها بأنها "عارية عن الصحة تماماً، ومختلقة من أساسها"، ونسبتها إلى ما وصفتها "الحملة العدوانية، التي تشنها الجهات المعادية ضد العراق وشعبه"( The New York Times, March 15, 1991, pg. A13). بالإضافة إلى ما سبق، أعرب الرئيس بوش، عن عدم يقينه إزاء طبيعة التحركات الإيرانية في جنوب العراق خلال أحداث الانتفاضة، داعياً جميع الأطراف الخارجية إلى الابتعاد، عن التدخل في الشأن العراقي الداخلي. وأشار إلى ورود تقارير عن عبور أفراد الحدود من إيران إلى جنوب العراق، لدعم الانتفاضة، لكنه لم يحصل على تقييم دقيق لحجم هذا النشاط. ويذكر أن إدارة بوش أعربت عن قلقها المتزايد، بشأن الدعم الإيراني للمتمردين في المناطق الشيعية والكوردية، على الرغم من دعوة الرئيس بوش السابقة لإيران بعدم التدخل في الصراع(The Washington Post, March 24, 1991, pg. A1).

      في خضم هذه الأحداث أعرب الأدميرال مايك ماكونيل (Mike McConnell)، مدير الاستخبارات في هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، عن اعتقاده بأن صدام حسين سينجح على الأرجح، في قمع الاضطرابات الجارية في جنوب العراق، نظراً لإفتقار المتمردين إلى التنظيم والقيادة، ولفت إلى قدرة صدام حسين على كبح جماح حركة المعارضة، على المدى الطويل (ستة أشهر أو سنة أو أكثر) لا تزال موضع تساؤل. وفي سياق متصل، أفاد ماكونيل بتحرك فرقتين مدرعتين عراقيتين، إحداهما على الأقل تابعة للحرس الجمهوري، نحو بغداد لحماية الحكومة من خطر السقوط، وتأمين العاصمة ومواصلة قمع التمرد في الجنوب. من جهته أكد البنتاگون عدم وجود خطط للتدخل في الصراع الداخلي في العراق(Chicago Tribune, March 6, 1991, pg. D1). 

        أفادت صحيفة نيويورك تايمز (The New York Times)، بأن الكورد سيطروا على المدن الكوردية الثلاث (سليمانية، واربيل، ودهوك)، ودعوا الصحفيين الأجانب لزيارة المناطق التي سيطروا عليها، والتي أطقلوا عليها اسم "كوردستان المحررة". وأشارت الصحيفة إلى تقارير هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، التي أكدت وقوع قتال عنيف في المدن الكوردية(The New York Times, March 15, 1991, pg. A13). وأعلنت القوات الكوردية، تحقيق المزيد من المكاسب على الأرض، واتهمت الحكومة المركزية باحتجاز رهائن مدنيين، لعرقلة تقدمهم نحو مدينة كركوك الغنية بالنفط. وقال جلال طالباني للصحفيين إن احتجاز الرهائن، أعاق تحرير كركوك من القوات الموالية للرئيس صدام حسين، وأضاف إن القوات العراقية احتجزت الآلاف من المدنيين، وهؤلاء مهددين بالقتل في حال اندلاع الانتفاضة في المدينة، بالرغم من ذلك تعهد طالباني بأنهم سيستمرون في القتال رغم وضع الرهائن، وقال "ربما يبحث الكورد عن تكتيكات لإنقاذ هؤلاء الناس، لكنهم لن ينهوا ثورتهم أبدًا"( Los Angeles Times, March 13, 1991, pg. A5).

        أكد قادة الكورد أن الجيش العراقي يستخدم ضدهم فعلياً كل الأسلحة المتاحة لديه، بما في ذلك طائرات الهليكوبتر، والقنابل، والصواريخ، والدبابات، والمدفعية. في خضم هذه الأحداث حذر الرئيس بوش الحكومة العراقية، من أن استخدامهم للطائرات الحربية والمروحيات ضد المتمردين، ينتهك شروط وقف إطلاق النار المبدئي الذي اتفق عليه بغداد، وصرَّح المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، ريتشارد باوتشر (Richard Boucher)، بأن قتالاً عنيفاً يدور بين القوات العراقية والمقاتلين الكورد في شمال العراق، وأضاف "يبدو أن المتمردين، يسيطرون على أجزاء كبيرة من المناطق ذات الأغلبية الكوردية، في شمال وشمال شرق العراق"، وأشار باوتشر إلى أن القتال مستمر أيضاً في الجنوب، على طول نهري دجلة والفرات، وفي محيط المدن المقدسة الشيعية، مضيفاً أن هناك أضراراً لحقت بالمراقد المقدسة. وأبلغ ولي العهد الكويتي الأمير سعد العبد الله الصباح (1978-2005)، أعضاء الكونگرس الأمريكي الزائرين للكويت، بأن المقاومة العراقية تسيطر على شمال العراق، وفي جنوبه على طول الحدود الإيرانية، وقال الصباح استناداً إلى تقارير استخباراتية، إن القوات العراقية "لم تتمكن من السيطرة على الوضع، خاصة في الجزء الشمالي والجنوبي من العراق، ولاسيما المناطق الواقعة على الحدود بين إيران والعراق، حيث تعتبر هذه منطقة محظورة، وليست تحت سيطرة العراقيين أو الإيرانيين"، وأضاف الصباح "هناك مجموعات معارضة تواجه الحكومة العراقية، وقد تمكنت من السيطرة على بعض مراكز الشرطة، والمباني الحكومية"(Chicago Tribune, March 19, 1991, pg. D4).

       أبرزت صحيفة نيويورك تايمز آراء متخصصين في شؤون الشرق الأوسط، حول الوضع في كوردستان العراق، حيث أكدوا أنّ الاضطرابات مثّلت أخطر تمرد شهدته المنطقة منذ عقدين، ومع ذلك استبعد هؤلاء الخبراء أن تتمكن هذه الاضطرابات بمفردها، من الإطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين، وأجمع المحللون العسكريون والسياسيون، داخل وخارج إدارة الرئيس بوش، على أن التمرد الكوردي ساهم في إضعاف نظام صدام حسين، لكنهم استبعدوا أن يؤدي إلى سقوطه، استند هؤلاء إلى شواهد تاريخية أظهرت أنه، منذ استقلال العراق عن بريطانيا عام 1932، لم تتمكن أي ثورة كوردية من الإطاحة بالحكومة العراقية، إلا أن عدم القدرة على قمع هذه الثورات ساهم في إسقاط عدد من الحكومات، قبل وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1968. لكن هذا التمرد الكوردي، حسب رأيهم، اختلف عن سابقاته، إذ واجهت حكومة بغداد تحديات غير مسبوقة، بدءاً من الهزيمة العسكرية المذلة في الكويت، التي أضعفت الجيش العراقي وقوضت صورة صدام حسين، مروراً بالوضع الاقتصادي اليائس الذي عانى منه العراق نتيجة الحصار الدولي والعقوبات المفروضة عليه، وانتهاءً باندلاع انتفاضات شعبية في جنوب العراق، مما أضاف عبئاً أمنياً على حكومة بغداد، فضلاً عن رفض الحلفاء السماح للعراق، باستخدام ما تبقى من قوته الجوية ضد المتمردين، مما حرم حكومة بغداد من أداة قمع فعّالة ضدهم. وقد أشارت هذه العوامل مجتمعة إلى أن انتفاضة الكورد، وإن لم يكن كافياً بمفرده لإسقاط صدام حسين، إلا أنه مثّل ضغطاً إضافياً على نظام متصدع بالفعل، وقد يساهم في تسريع انهياره(The New York Times, March 20, 1991, pg. A12).

      أظهر تحليل المختصين بشؤون الشرق الأوسط، الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز، أن توقيت اندلاع الانتفاضة الكوردية، بالتزامن مع الظروف السياسية والاقتصادية المتردية التي كانت تعصف بالعراق، شكل العامل الحاسم في تقدير خطورة تلك الانتفاضة. فبينما لم تكن الانتفاضة في حد ذاتها تمثل تهديداً وجودياً لنظام صدام حسين، إلا أن تزامنها مع الهزيمة في حرب الخليج والأزمة الاقتصادية الخانقة هو ما أثار مخاوف جدية بشأن استقرار النظام. وقد أكد ذلك أن تقييم أي تمرد لم يقتصر على قوته الذاتية، بل تطلب تحليلاً معمقاً للسياق العام الذي نشأ فيه.

         في ضوء التحليلات السابقة التي تناولت الأوضاع السياسية في العراق، أوضح بيتر دبليو غالبريث (Peter w. Galbraith)، الموظف في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي، أن الكورد حاولوا استغلال ضعف بغداد كعادتهم، لكن احتمالات نجاحهم هذه المرة بدت أفضل نسبياً، ورأى غالبريث أن الاضطرابات قد تفضي إلى عراق تعددي، يضمن الحكم الذاتي للكورد، وأشار إلى أن تحالف الكورد والشيعة في جبهة موحدة قد ينجح، نظراً لاعتماد كل منهما على الآخر، مما يمنحهما مصلحة مشتركة في التخلص من صدام حسين، وفي الترتيبات السياسية المستقبلية، أشار غالبريث أن جميع أحزاب المعارضة، بما فيها الكوردية والشيعية، اتفقت على الحفاظ على عراق موحد، مستبعدةً قيام جمهورية إسلامية أو دولة كوردية مستقلة، لكنه لم يستبعد أن يتحول العراق، في حال نجاح المعارضة، إلى نموذج يشبه يوغسلافيا بتنوعها العرقي المثير للجدل. من جانبه أكد ديفيد ماكدويل (David McDowell) الصحفي والمتخصص في شؤون الشرق الأوسط، "أن الكورد يخوضون صراعاً مصيرياً ووجودياً، لا مجال فيه للمساومة مع نظام صدام حسين أو حزب البعث، مدفوعين بتجربة مريرة في السبعينيات، حيث دفعهم انهيار اتفاق الحكم الذاتي مع البعثيين، إلى قتال النظام بمساعدة إيران والولايات المتحدة"( The Washington Pos, March 22, 1991, pg. A20).

         أشار غراهام فولر (Graham Fuller)، كبير الباحثين في مؤسسة راند، إلى أن التمردات الكوردية تكررت سابقاً، لكنها لم تحدث في ظل حكومة مركزية ضعيفة كهذه، وأكد أن السياق الذي يدور فيه التمرد هو ما يمنحه فرصة للنجاح، وليس مجرد اندلاعه، وأضاف فولر، أن الوضع في كوردستان كان من الممكن أن يصبح أكثر خطورة، إذا ما أرسلت حكومات أجنبية كميات كبيرة من الأسلحة والأموال إلى الكورد، كما حدث في السبعينيات. ومن جهة أخرى، نفى مسؤولون في إدارة الرئيس بوش، وجود أي دليل على شحنات أسلحة عبر الحدود التركية أو السورية، مؤكدين أن معظم الأسلحة المستخدمة في انتفاضة الشمال والجنوب، إما غنيمة من القوات العراقية أو نتيجة استسلامها، أما بخصوص إيران، فقد أشاروا أنها أرسلت أسلحة عبر الحدود إلى المقاتلين الكورد في الشمال، والمتمردين الشيعة في الجنوب، وأوضح أحد المسؤولين أن هناك بعض الدعم وبعض الأسلحة من إيران، لكنه نفى أن تكون عملية الإمداد واسعة النطاق(The New York Times, March 20, 1991, pg. A12).

       أثارت هذه الأحداث ردود فعل واسعة في تركيا، تجلت بوضوح في إعلان الرئيس التركي تورگوت أوزال، عن فتح قنوات اتصال([5]) مع القادة الكورد العراقيين المعارضين لصدام حسين، في خطوة مثلت قطيعةً مع سياسة أنقرة تجاه الكورد والتي استمرت لعقود(The New York Times, March 20, 1991, pg. A12). وقد قام وفد([6]) كوردي تألف من جلال طالباني، ممثلاُ عن حزب الاتحاد الوطني الكوردستاني، وسفين دزەیی ممثلاً عن الحزب الديمقراطي الكردستاني، بزيارة رسمية إلى تركيا، حيث عقدوا لقاءات مع مسؤولين أتراك، رفيعي المستوى من وزارة الخارجية والأجهزة العسكرية والأمنية، ناقش خلالها الجانبان، الأوضاع التي كانت سائدة في كوردستان العراق"(مام جەلال دیداری تەمەن لە لاوێتیە بۆ کۆشکی کۆماری، 2017، ل201). وأعلن مسؤولون أتراك بعد هذه اللقاءات، أن تركيا سترسل مساعدات إنسانية إلى الكورد في العراق، وقد برّر أوزال هذا التوجه بالقول "يتعرض الكورد للاستغلال من قِبل مختلف الأطراف، والجميع يتحدث مع الكورد، فلماذا لا نفعل نحن ذلك؟". اثار الدعم المحتمل للكورد في العراق قلقاً داخلياً في تركيا، حيث خشي البعض من تصاعد الاضطرابات بين الكورد في تركيا، والذين يُقدر عددهم بنحو (12) مليون نسمة. وقد عارض العديد من القادة العسكريين والسياسيين الأتراك نهج أوزال في التقارب مع الكورد(The New York Times, March 20, 1991, pg. A12).

      عكس هذا التغيير في الموقف التركي الرسمي، تحولاً هاماً في سياستها الخارجية تجاه الكورد في كوردستان العراق، إذ ساهم في تبديد حالة التوجس السابقة، ودفع تركيا نحو تبني مواقف أكثر تفهماً لمطالبهم، خاصةً في الفترات اللاحقة، ويسلط هذا الموقف التركي المستجد، الضوء على تأثير الأحداث في العراق، على إعادة صياغة سياسة أنقرة تجاه القضية الكوردية، فقد أدركت تركيا أهمية الانفتاح على الكورد في العراق، لمواكبة التطورات الإقليمية وحماية مصالحها، خاصةً مع الاهتمام الدولي لمتابعة للقضية الكوردية، ومع ذلك، فإنّ هذا التحول في السياسة التركية، لم يخلُ من بعض المخاوف الداخلية، بشأن  انعكاساته  على  الكورد في  تركيا، الأمر الذي يشير إلى أنّ القضية الكوردية لا تزال تشكل تحدياً داخلياً بالنسبة لتركيا، رغم التغيرات في المشهد الإقليمي.

      أعلنت القيادة الكوردية في العشرين من آذار 1991 تحرير مدينة كركوك، مركز إنتاج النفط الرئيسي ورابع أكبر مدينة في العراق، ومثّل هذا النصر ضربة قوية لنظام صدام حسين، وفي مؤتمر صحفي، صرّح ريتشارد باوتشر، المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، "أن الكورد يواصلون تحقيق مكاسب عسكرية في شمال العراق، لكنه أشار إلى عدم قدرة وزارة الخارجية الأمريكية، على تأكيد سقوط كركوك بالكامل في أيدي المقاتلين الكورد"( The New York Times, March 20, 1991, pg. A12). تجدر الإشارة إلى أنه خلال الانتفاضة، فرضت الولايات المتحدة حظراً على تحليق الطائرات العراقية ذات الأجنحة الثابتة في جميع أنحاء البلاد، مع تأكيد الجنرال نورمان شوارزكوف على استمرار الدوريات الجوية الأمريكية فوق الأجواء العراقية. وفي حين تلقّت قوات التحالف تعليمات بعدم استهداف الطائرات المروحية العراقية إلا في حالة الدفاع عن النفس، فقد أسقطت مقاتلات أمريكية طائرتين حربيتين عراقيتين في وقت سابق(The Washington Post, March 24, 1991, pg. A1.).

      رغم القرار الأمريكي، استمرت الطائرات العراقية في التحليق وقصف المناطق المنتفضة، مما دفع الكورد إلى اتهام الحكومة العراقية في الخامس والعشرين من آذار 1991، بشن هجمات جوية مكثفة على المدن التي يسيطرون عليها. وحذروا من أن هذه الغارات قد تمثل مرحلة جديدة في مساعي صدام حسين لقمع الانتفاضة. وأفادت تقارير أمريكية بأن القاذفات والمروحيات العراقية، قتلت وجرحت العديد من المدنيين في ثلاث غارات استهدفت مدينتي كركوك ودهوك، لذلك حذّرت واشنطن بغداد من أن شن هجمات جوية على المتمردين، يعد انتهاكاً لوقف إطلاق النار المؤقت الذي أنهى حرب الخليج، مهددة بإسقاط أي طائرة حربية عراقية تحلّق في المنطقة(Los Angeles Times, March 26, 1991, Pg. A12).

       أكد مسؤولو البنتاگون أن المقاتلات الأمريكية، تجري دوريات قتالية ليلاً ونهاراً فوق العراق، وتراقب جميع الأنشطة الجوية، باستخدام طائرات الإنذار المبكر من طراز أواكس. وفي حين حذّر الرئيس بوش العراق من استخدام طائرات الهليكوبتر والأسلحة الكيميائية، إلا أنه تجنب التورط المباشر في الحرب الأهلية الدائرة في البلاد. وأفاد مسؤول لم يذكر الصحيفة اسمه، بأن الرئيس بوش سيجتمع مع كبار مستشاريه، لبحث "مجموعة كاملة من قضايا الخليج"، قد تشمل الأزمة العراقية، بما في ذلك مسألة استخدام طائرات الهليكوبتر، ويعد امتناع البنتاگون عن اتخاذ إجراءات أبعد من مجرد التحذير، بشأن استخدام العراق للطائرات الحربية أمراً لافتاً، حيث تعتبر طائرات الهليكوبتر، عاملاً حاسماً في نجاح العراق، في قمع المتمردين المسلحين بأسلحة خفيفة، ومن جهة أخرى، أشار المسؤول إلى أن التمرد قد يكون في مراحله النهائية، في حين رأى مسؤول آخر في الإدارة، أن التمرد في جنوب العراق "لم ينته بعد"، لكن الحكومة العراقية تسيطر على الوضع، وستتخذ إجراءات حاسمة في القريب. وأضاف أنه بمجرد اكتمال عملية القضاء على التمرد في الجنوب، "لن يواجه الشمال الكثير من المتاعب"، نظراً لعدم قدرة المتمردين على مواجهة طائرات الهليكوبتر الحربية(Chicago Tribune, March 25, 1991, pg. N_B5). تشير وجهات النظر هذه إلى وجود موقف أمريكي متذبذب، إزاء الانتفاضة في كوردستان والمناطق الجنوبية العراقية، يتراوح بين الرغبة في مراقبة الوضع عن كثب، عبر الدوريات الجوية المكثفة، والحذر من التورط المباشر في الصراع. ويبدو أن استخدام العراق لطائرات الهليكوبتر ضد المنتفضين يثير قلقاً أمريكياً، خاصة مع اقتراب الحكومة العراقية من حسم الانتفاضة، إذ تخشى الإدارة الأمريكية من استخدام هذه الطائرات بشكل مفرط ضد المدنيين، مما قد يعرضها للانتقاد.

        على الرغم من مناشدات الكورد والشيعة، للحصول على مساعدات أمريكية لصد هجوم القوات العراقية، ومنعها من استخدام طائرات الهليكوبتر ضد المدنيين والمقاتلين، إلا أن الولايات المتحدة اتخذت موقفاً صريحاً وحازماً، بعدم التدخل في النزاع الدائر في العراق، حيث أكد مسؤولون في إدارة بوش في السادس والعشرين من آذار 1991، التزام الولايات المتحدة بالحياد، معلنِين أن القوة العسكرية الأمريكية، لن تستخدم لحماية المدنيين، أو الجماعات المسلحة، التي تسعى للإطاحة بحكومة الرئيس العراقي صدام حسين، واعترف المتحدثون باسم الإدارة، بوقوع خسائر فادحة في صفوف المدنيين، وارتكاب فظائع خلال الصراع، لكنهم أكدوا عدم وجود أي تغيير في قرار الرئيس بوش، القاضي بتجنب التورط المباشر في الإطاحة بصدام، وصرحت مارلين فيتزواتر (Marlin Fitzwater)، السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض، قائلةً "لا ننوي التدخل في الصراع الداخلي في العراق"، وأوضحت أن الولايات المتحدة لن تسقط الطائرات المروحية العراقية، إلا إذا شكّلت تهديداً للقوات الأمريكية في المنطقة، مشددةً على أن "السياسة الأمريكية الأساسية تجاه العراق، تقوم على ضرورة أن يقرر الشعب العراقي قيادته بنفسه"( The Washington Post, March 27, 1991, pg. A1).

      أكد عدد من كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية، لم تذكر الصحيفة اسماءهم، سعي إدارة الرئيس بوش لإنهاء الأزمة الراهنة في العراق بأسرع وقت، دون التورط في حرب أهلية، وأوضح أحدهم "أن الإدارة  تفضّل بالطبع أن يتولى شخصاً آخر، غير صدام حسين  قيادة  العراق، لكن التدخل الأمريكي للإطاحة بصدام، قد يسبب مشاكل  أكبر من  بقاءه في  السلطة"، وشدّد  مسؤول  آخر على "عدم وجود رغبة لدى الإدارة  الأمريكية، أو حلفائها في التدخل عسكرياً في العراق، حيث أنّ مثل هذا التدخل في الشؤون الداخلية، لدولة أخرى "قد تكون له تداعيات هائلة، على ما تحاول الولايات المتحدة القيام به في المنطقة بشكل عام"،  كما أن مثل هذا الأمر "سيصنف المتمردين على أنهم أتباع  للولايات  المتحدة، مما يعيق نجاحهم"، وأضاف "لا نريد أن تكون لنا أية علاقة بأي شخص متورط  في التمرد". وأشار مسؤول  آخر إلى عدم وجود دعم من الشعب الأمريكي أو الكونگرس للتدخل  في العراق، متسائلاً "ماذا لو ساعدنا في قتل صدام؟ ستصبح العراق مسؤوليتنا، فمن الذي سيقودها؟ إنها معضلة لا يريد أحد  التورط فيها"، من جانبها أكدت  فيتزواتر أنّ مهمة القوات الأمريكية في الخليج، تقتصر على "تنفيذ  تفويض  الأمم  المتحدة"، بإعادة  الحكومة الكويتية الشرعية بعد الغزو العراقي، وليست استبدال صدام أو المساعدة في ذلك، وأضافت أنه بمجرد تنفيذ هذا التفويض، ستغادر القوات الأمريكية المنطقة، وشدّدت على موقف الولايات المتحدة القائم على ضرورة بقاء العراق دولة واحدة موحدة، مؤكدةً على أهمية ذلك لاستقرار المنطقة، وأن الولايات المتحدة لا تنوي التدخل في صراعاته الداخلية"( The Washington Post, March 27, 1991, pg. A1).

       وجهت صحيفة وول ستريت جورنال (The Wall Street Journal) انتقادات لاذعة للإدارة الأمريكية، إزاء سياستها المتناقضة تجاه الانتفاضة الشعبية في العراق، فكتبت في حين دعا الرئيس بوش في الخامس عشر من شباط ،1991 الجيش والشعب العراقي إلى الإطاحة بصدام حسين، لوقف إراقة الدماء، صرّح مارلين فيتزواتر، في السابع والعشرين من آذار 1991 بأن الولايات المتحدة، ستلتزم الحياد تجاه الصراع الداخلي في العراق، مقرّاً في الوقت ذاته، بوقوع فظائع مروعة بين مختلف الأطراف، بما فيها قوات الحكومة والمتمردين في جنوب العراق والكورد في الشمال، واستنكرت الصحيفة هذا الموقف المزدوج، متسائلةً في نبرة تنطوي على قدر كبير من التّشكيك "هل حقاً يخاطب الرئيس بوش عراقيين آخرين في عالم موازٍ"، ورفضت الصحيفة بشدة الحياد الذي أعلنته فيتزواتر، مشيرةً إلى استحالة التزام الحياد بين جلاد وشعب يناضل من أجل الحرية، وكشفت عن ازدواجية المعايير الأمريكية "المخزية" حسب تعبيرها، منددةً بصمت الإدارة الأمريكية المريب عن جرائم نظام صدام حسين، في الوقت الذي تزهق فيه أرواح المعارضين شنقاً على أعمدة الإنارة، وسلّطت الصحيفة الضوء على التناقض الصارخ في السياسة الأمريكية تجاه العراق، بالقول "بينما تدين الإدارة الأمريكية قمع نظام صدام حسين للمعارضة الشعبية، نجدها في الوقت ذاته تقيّد خيارات التغيير"، وتثير الصحيفة تساؤلاً حول عجز الولايات المتحدة عن التدخل، في حين تشاهد دبابات ومروحيات النظام، تقضي بوحشية على الانتفاضة الشعبية، وتشير إلى أنّ سياسة واشنطن ترغب في تغيير النظام، دون تحديد آلية واضحة أو دعم حقيقي للمعارضة، وتضيف أنّ الولايات المتحدة تفضل أن يأتي التغيير من داخل النظام، عبر "جنرال مجهول" يطيح بصدام حسين، مستندةً في ذلك إلى تقديرات استخباراتية أمريكية تشير إلى قرب نهاية حكم صدام حسين(The Wall Street Journal, March 29, 1991, pg. A10). لخصت الصحيفة سياسة الولايات المتحدة تجاه العراق، خلال أحداث الانتفاضة الشعبية والتي اتسمت بالتناقض وعدم الوضوح، حيث تدعو إلى التغيير مع التمسك بالحياد، وتدين القمع مع التردد في دعم المعارضة، ودعت إلى مزيد من الوضوح في الموقف الأمريكي، ورأت ضرورة التدخل لوقف جرائم صدام حسين، ودعم حق الشعب العراقي في تقرير مصيره.

      أبرزت صحيفة نيويورك تايمز أبعاد أخرى، حول تجنب الولايات المتحدة التدخل في الانتفاضة، منها الحرص على الاستقرار الإقليمي، خشية من اندلاع حرب أهلية في العراق، وما قد يترتب عليها من فوضى وانقسام وتدخلات أجنبية، وكذلك فضّلت الولايات المتحدة عدم توريط جنودها في الاضطرابات الداخلية والالتزام بالاتفاقيات الدولية، حيث التزمت واشنطن بالاتفاقيات الدولية، التي اقتصرت على طرد صدام حسين من الكويت، دون التدخل في شؤونه الداخلية، فضلاً عن تأثير بعض حلفائها العرب على مواقفها ولا سيما السعودية، التي امتنعت التدخل في الأوضاع السائدة في العراق، حيث عبّر الأمير خالد بن سلطان قائد القوات العربية المشتركة في حرب الخليج الثانية (عاصفة الصحراء)، في تصريح نقلته الصحيفة عن هذا  الموقف بوضوح، معتبراً الانتفاضة "مسألة داخلية"، وينبغي للحلفاء عدم التدخل فيها، وأشار دبلوماسيون عرب، إلى أن هذا الموقف، يخفي مخاوف واشنطن والرياض من انقسام العراق، وسيطرة الشيعة الموالين لإيران على الجنوب، وهيمنة الكورد على الشمال، مما قد يزعزع استقرار المنطقة. وكشف دبلوماسيون عرب أن واشنطن والرياض، تراهنان على أن الأزمة الاقتصادية في العراق، ستؤدي إلى انقلاب عسكري ضد صدام حسين، معتقدتين أن "جنرالات الجيش"، سيكونون أكثر قدرة على الحفاظ على وحدة العراق، وبناء علاقات أفضل مع دول الخليج(The New York Times, March 29, 1991, pg. A1; Los Angeles Times, March 28, 1991, pg. A12).

      أيدت الإدارة الأمريكية اتهامات الكورد، باستخدام الجيش العراقي طائرات الهليكوبتر، لمهاجمة المنتفضين وقمع الانتفاضة، معترفةً بأن ذلك يخالف التفاهمات التي تم التوصل إليها مع العراق، قبل وقف إطلاق النار، وأوضحت فيتزواتر "أن اتفاقية وقف إطلاق النار، لم تصرّح باستخدام طائرات الهليكوبتر"، مشيرةً إلى أن الجنرال نورمان شوارزكوف، "ناقش مع القادة العسكريين العراقيين، قبل اندلاع الانتفاضة، نيتهم استخدام طائرات الهليكوبتر لأغراض النقل فقط، وأن هذا النقاش غير الرسمي كان خارج إطار الاتفاق المكتوب"، وبيّنت فيتزواتر أن حرص المسؤولين الأمريكيين، على حماية قواتهم، هو الدافع وراء اهتمامهم بتحركات الطائرات العراقية، وقالت "لقد أوضحنا رفضنا لتحليق أي طائرات عراقية، وسنسقط الطائرات الثابتة الجناحين، لأنها تشكل تهديداً مباشراً لقواتنا"، وعند سؤالها عن سبب إسقاط المقاتلات العراقية دون طائرات الهليكوبتر، أوضحت فيتزواتر "أن المقاتلات ثابتة الجناح تشكل تهديداً أكبر للقوات الأمريكية لسرعتها وانخفاضها"( The Washington Post, March 27, 1991, pg. A1).

       على الرغم من الموقف الأمريكي المتحفظ تجاه الكورد، الناجم من خشية تقسيم العراق واستعداء تركيا، سعى الكورد إلى تشكيل حكومة مؤقتة، لتحل محل حكومة بغداد، وفي هذا السياق، صرّح مسعود بارزاني بوجود مساع لعقد اجتماع في المناطق الكوردية المحررة، بهدف تشكيل حكومة مؤقتة، بشرط الحصول على اعتراف مسبق من الحكومات الأجنبية(The Wall Street Journal, March 27, 1991, pg. A10)، وبخصوص هذا الأمر أعلن جلال طالباني، لدى وصوله إلى كوردستان العراق من سوريا في السادس والعشرين من آذار 1991، أنه سيتشاور مع زعماء المعارضة العراقية، الذين دخلوا العراق، حول إمكانية تشكيل حكومة مؤقتة في المنطقة الكوردية، مؤكداً على الدور المحوري الذي سيلعبه الكورد في صياغة مستقبل العراق(The New York Times, March 27, 1991, pg. A8).

        سعى مسعود بارزاني مرةً أخرى إلى طمأنة تركيا بأنّ الكورد في العراق، الذين يشكلون قرابة ربع سكانه، لا يسعون إلى الاستقلال، وإنما يطمحون إلى حكم ذاتي ضمن عراق موحد، يحترم حقوق جميع الجماعات ويقدّر التنوع الديني والفكري، وأشار بارزاني إلى أنّ هذا التوجه الكوردي، على عكس رغبة إيران التي تريد دولة شيعية؛ ومع السعودية التي تريد دكتاتورية عسكرية سنية؛ ومع سوريا التي تريد الفوضى في العراق، ولكنها لن يقلق أنقرة التي بدأت تدرك أهمية التراث العرقي للكورد في تركيا، ولفت إلى أنّ الرئيس أوزال الذي  يطمح  إلى  دمج  بلاده  في  الاقتصاد  الأوروبي، قد تأثر بدفاع دانيال ميتران عن حقوق الإنسان في كوردستان(The New York Times, March 28, 1991, pg. A25).

      بعد إخماد الانتفاضة الشعبية في الجنوب، حشدت حكومة بغداد قواتها استعداداً لإنهاء الانتفاضة الكوردية في الشمال، وبدأ القادة العسكريون العراقيون، بنقل قوات النخبة المتمثلة في الحرس الجمهوري،  مثل  فرق  "توكلنا  على  الله"،  و"المدينة  المنورة"،  و"حمورابي"، شمالًا لقمع انتفاضة الكورد، وحسب صحيفة واشنطن بوست (The Washington Post)، "تقوم أربعون طائرة هليكوبتر عراقية من طراز (Mi-24) و(Mi-17) السوفيتية الصنع، بتنفيذ نحو (100) طلعة جوية يومياً ضد المتمردين الكورد في الشمال والشيعة في الجنوب"، وبالتزامن مع الطلعات الجوية العراقية، كانت طائرات القوات الجوية الأمريكية من طراز (F-15)، مدعومة بطائرات تابعة للقوات البحرية والقوات الجوية السعودية، تقوم بدوريات قتالية على مدار الساعة فوق الأجواء العراقية، ووصل النشاط الجوي للحلفاء فوق العراق إلى حوالي "عشر"، الطلعات الجوية البالغ عددها (3000) طلعة جوية يومياً في ذروة حرب الخليج، وكانت لدى المقاتلات أوامر بإسقاط أي طائرة مقاتلة ذات أجنحة ثابتة، باستثناء المروحيات(The Washington Post, March 30, 1991, pg. A1).

       شن الجيش العراقي في الثامن والعشرين من آذار 1991، هجوماً مضاداً واسع النطاق على مدينة كركوك([7])، وسرعان ما أعلنت بغداد، عبر وسائل إعلامها الرسمية، استعادة السيطرة على المدينة، التي تعد مركزاً حيوياً للثروة النفطية، وهدفًا رئيسياً للكورد في سعيهم نحو الحكم  الذاتي، وأكدت وكالة الأنباء العراقية، "تطهير كركوك بالكامل" من "المتمردين" حسب قولها،  فيما أشار هشيار زيباري، القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني، إلى أنّ الهجوم بدأ  صباح  يوم الثامن والعشرين من آذار ،  بعد  حشد قوات عسكرية كبيرة مزودة بمختلف أنواع  الأسلحة، وأفاد زيباري بأنّ "العراق  شنّ هجوماً شرساً وقصفاً مكثفاً على كركوك، باستخدام  الطائرات  والدبابات  والمدفعية  والصواريخ"،  محذراً من خطورة الغارات الجوية العراقية على المدينة، ومؤكداً أنّ "منع  الطائرات سيعطي الكورد فرصةً أكبر للدفاع عن أنفسهم". وفي الوقت نفسه، أفاد صحفيون غربيون بتعرض مدينة دهوك، لقصف مدفعي عنيف، مما أثار مخاوف من انهيار الانتفاضة الكوردية. وأكدت وزارة الخارجية الأمريكية أنّ القوات العراقية، شنّت هجوماً كبيراً لاستعادة كركوك، مشيرةً إلى أنّ "المباني والمنشآت داخل كركوك تعرضت لأضرار جسيمة خلال الساعات الأولى من الهجوم"، وأضاف المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، أنّ "الاشتباكات تتواصل بين القوات الحكومية والقوات الكوردية شرق وجنوب شرق الموصل"، موضحًا أنّ "الحكومة أرسلت تعزيزات إضافية إلى الموصل". وفي هذا الصدد، قال متحدثون كورد إنّ خطوط الإمداد من سوريا تعرضت للقصف بالمدفعية الحكومية، محذّرين من كارثة إنسانية في المنطقة، وقال جلال طالباني، إنّ "الوضع الغذائي خطير للغاية، وسنواجه مجاعة إذا لم نتلق الإمدادات خلال شهر واحد"، وطالب قوات التحالف الدولي بـ "السماح بمرور الغذاء للمناطق الكوردية عبر الحدود السورية والإيرانية والتركية(Los Angeles Times, March 29, 1991, pg. A12).

      في أعقاب انتصارات الجيش العراقي، وجّه مسعود البارزاني وجلال طالباني، من كوردستان العراق، نداءً عاجلاً إلى الرئيس الأمريكي جورج بوش، طالبين منه التدخل العسكري، لوقف هجمات الجيش العراقي على المنتفضين الكورد، وأكد الزعيمان الكرديان، في بيانهما المشترك "أنّ الرئيس جورج بوش، كان قد شجع الشعب العراقي على الثورة ضد نظام صدام حسين، وأن المنتفضين يواجهون الآن قمعاً وحشياً دون أيّ حماية"، رفض البيت الأبيض، مناشدة الكورد، مؤكداً أنّ الولايات المتحدة لن تتدخّل في الحرب الأهلية في العراق، لأنها غير ملزمة بمساعدة القوات التي تقاتل للإطاحة بصدام حسين، وأوضح رومان بوباديوك (Roman Popadiuk)، نائب السكرتير الصحفي للبيت الأبيض، أنّ "مهمة الولايات المتحدة كانت إخراج العراق من الكويت"، مضيفًا "لقد أنجزنا هذا التفويض. أما قضية الاضطرابات الداخلية في العراق هي قضية يجب تسويتها بين الحكومة والشعب العراقي"( Los Angeles Times, March 31, 1991, pg. A1). يسلط رفض البيت الأبيض مناشدة الكورد، الضوء على البعد الانتهازي في السياسة الخارجية الأمريكية، فبينما شجعت واشنطن الانتفاضة ضد صدام حسين ظاهرياً، إلا أنها في الواقع كانت تولي أولوية لِمصالحها الجيوسياسية على حساب مبادئها المعلنة، يتجلى ذلك في ازدواجية المعايير التي اعتمدتها واشنطن، حيث دعت إلى الثورة ضد صدام حسين من جهة، وتخلت عن دعم المنتفضين عندما واجهوا قمع النظام من جهة أخرى. يمكن القول إن الولايات المتحدة استخدمت الانتفاضة الشعبية كأداة لتحقيق أهدافها الخاصة، ثم تخلّت عنها عندما لم تعد تخدم مصالحها.

      تحت وطأة القصف المدفعي المكثف من القوات العسكرية العراقية، وهجوم الجيش العراقي المدعوم بغطاء جوي من الطائرات المروحية، اضطر الكورد إلى الانسحاب من مدينتي أربيل ودهوك. وفي الثلاثين من آذار 1991، أعلنت الحكومة العراقية سيطرتها الكاملة على المدينتين، مما أدى إلى موجة نزوح واسعة للمدنيين الكورد نتيجةً لهذه السيطرة، الذي وصفته نيويورك تايمز، نقلاً عن مراسل هيئة الإذاعة البريطانية، بالقول "إنها مشاهد مأساوية، حيث حشر الآلاف من الكورد عائلاتهم ومتاعهم في أي مركبة متاحة، شاحنات، وجرارات، ومقطورات، واضطر العديد من النساء والأطفال، إلى قطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام، ينهكهم التعب والجوع والعطش، فيما يفترش البعض جوانب الطرق بلا مأوى ولا طعام. تتشتت عائلات اللاجئين الآن عبر الجبال الكوردية المغطاة بالثلوج، في ظروف بالغة القسوة، غير مستعدين لمواجهة ليالي الشتاء الباردة، ولا يعلمون ما يخبئه لهم المستقبل.  ووسط هذه المأساة، تساءل الكورد عن سبب صمت قوى التحالف التي حثتهم على الثورة ضد صدام حسين، وتتركهم يواجهون مصيرهم المجهول"( The New York Times, April 2, 1991, pg. A8). حذر متحدث باسم الحزب الديمقراطي الكردستاني من أن المدنيين الكورد يتعرضون لإبادة جماعية ممنهجة، حيث أصبحوا هدفًا لهجمات جوية مكثفة، وبقصف عنيف بالدبابات والمدفعية خلال الأيام القليلة الماضية. وأكد المتحدث أن القوات العراقية تقتل أي "كوردي تراه"، مشيرًا إلى أن ما يحدث "أسوأ من مأساة حلبجة"( The Washington Post, April 2, 1991, pg. A1).

      ناشد مسعود البارزاني، زعيم الحزب الديمقراطي الكوردستاني، الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بالتدخل العاجل، لوقف "الإبادة الجماعية" التي يتعرض لها الشعب الكوردي على يد القوات العراقية، وحذر من كارثة إنسانية وشيكة، حيث فرّ حوالي (3) ملايين كوردي إلى الجبال، وهم يعانون من نقص حاد في الغذاء والمأوى في ظل ظروف جوية قاسية، وأدان البارزاني صمت المجتمع الدولي تجاه ما يحدث،  قائلاً: "لقد أدانوا صدام حسين، لكنهم أطلقوا يده لسحق الانتفاضة الشعبية السلمية، ويرتكب الآن إبادة جماعية ضد المدنيين في كوردستان"، ودعا البارزاني الدول الغربية إلى إرسال مساعدات عاجلة إلى النازحين الكورد،  والضغط على الأمم المتحدة لوقف هجمات الحكومة العراقية(The Washington Post, April 2, 1991, pg. A1). وناشد الحزب الديمقراطي الكوردستاني، قادة الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا للتدخل عبر الأمم المتحدة، لوقف ما وصفه بـ "الإبادة الجماعية والتعذيب" ضد الشعب الكوردي لكن بريطانيا والولايات المتحدة رفضتا التدخل، مكتفيتين بالتعهد بمراجعة موقفهما في حال استخدام العراق للأسلحة الكيميائية(Chicago Tribune, April 2, 1991, pg. D4).

       علقت صحيفة واشنطن بوست على الموقف الأمريكي الرافض، لأي تدخل في الانتفاضة التي قام به الكورد والشيعة، بالقول " تشير الدلائل إلى أن الرئيس الأمريكي جورج بوش، اتخذ قراراً بتجنب التدخل في الانتفاضة الكوردية في العراق عام 1991، مدفوعاً بمجموعة من العوامل، أولها، الخوف من تكبد خسائر فادحة في صفوف القوات الأمريكية، خاصةً بعد تجربة حرب فيتنام. وثانيًا، الرغبة في تجنب التورط في مستنقع عراقي قد يرهق الولايات المتحدة، ويضعف موقفها الدولي. وثالثًا، أخذ بوش بعين الاعتبار مخاوف حلفاء رئيسيين في المنطقة، حيث أعرب الرئيس التركي توركوت أوزال عن قلقه، من أن يشجع نجاح الكورد في العراق، نظراءهم الكورد في تركيا على التمرد ضد حكومة أنقرة، بينما أبدى الملك فهد خشيته، من انفصال جنوب العراق ذي الأغلبية الشيعية، وتأثير ذلك على توازن القوى في الخليج العربي، هذه العوامل مجتمعةً إلى جانب عوامل ناقشناه سابقاً، ساهمت في تشكيل موقف الولايات المتحدة المتردد تجاه الانتفاضة الشعبية في العراق، مما أدى إلى إخمادها في نهاية المطاف على يد نظام صدام حسين"( The Washington Post, April 2, 1991, pg. A1). وكان الموقف السعودي مدعوماً بتأييد عربي مطلق، حيث أعلنت مصر وسوريا معارضتهما تقسيم العراق، وأكد دبلوماسيون عرب حرص مصر وسوريا على ترسيخ نفوذهما، كقوتين إقليميتين مهيمنتين في شؤون الأمن بالمنطقة، وتأكيد الدولتين على وحدة الأراضي العراقية(Chicago Tribune, April 2, 1991, pg. D4).

      تُبرز هذه التطورات والتحركات غموض الموقف الكردي والسياسة الأمريكية تجاهه، حيث يبدو أن الكورد يواجهون مشكلة مزمنة، تتمثل في استغلال دول المنطقة لهم كأداة لمهاجمة خصومها، دون تقديم أي دعم حقيقي لتطلعاتهم السياسية(The New York Times, April 2, 1991, pg. A8). وجدت القيادة الكوردية نفسها في مأزقٍ حقيقي، حيث كانت تتعرض للاستغلال من قبل الدول المجاورة، التي كانت تستخدمها لتحقيق مصالحها الخاصة، مثل مهاجمة العراق أو الضغط على دول أخرى. وفي الوقت نفسه، لم يكن قادة الكورد يجدون الدعم الكافي من المجتمع الدولي لتحقيق الطموحات السياسية للشعب الكوردي، كالحصول على الحكم الذاتي أو الاستقلال. هذا الموقف الصعب جعل الكورد عالقين بين مطرقة الاستغلال الإقليمي وسندان التجاهل الدولي، مما حال دون قدرتهم على بناء مستقبلهم بأنفسهم.

       في غمرة سيطرة الحكومة العراقية على المدن الكوردية، ووسط مشهد مأساوي لهجرة مئات الآلاف من الكورد، نحو الجبال بحثاً عن الأمان، ظهرت مواقف داخل الولايات المتحدة، لا تؤيد مواقف الإدارة الأمريكية بعدم التدخل، حيث انتقدت صحيفة وال ستريت جرنال الموقف الأمريكي، لسماحها لطائرات الهليكوبتر العراقية بمهاجمة المنتفضين بالقول "رغم أن الجنرال شوارزكوف قد خدع، من قبل الجنرالات العراقيين، بالموافقة على السماح لهم باستخدام طائرات الهليكوبتر للأغراض اللوجستية فقط، إلا أن العراق انتهك هذا الاتفاق بشكل صارخ. فقد استخدمت هذه الطائرات في العمليات العسكرية ضد المنتفضين، مما يمثل خرقاً واضحاً لشروط وقف إطلاق النار، وبالتالي، يحق للولايات المتحدة إسقاط هذه الطائرات، دون الخوف من انتهاك اتفاقيات الأمم المتحدة"( The Wall Street Journal, March 29, 1991, pg. A10).

      وجد مؤيدون للكورد في الكونگرس الأمريكي من أعضاء الحزب الديمقراطي، حيث عارض جورج ميتشل (George J. Mitchel)(من الحزب الديمقراطي)، زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ الأمريكي سياسة عدم التدخل الأمريكي، وقد دعا الرئيس بوش إلى إصدار أوامر للطيارين الأمريكيين، بإسقاط المروحيات العراقية التي تهاجم الكورد، وأوضح ميتشل في برنامج تلفزيوني على قناة (NBC) أن الإدارة الأمريكية سمحت للعراق، باستخدام المروحيات لأغراض لوجستية بعد وقف إطلاق النار، لكنها  تجاوزت  ذلك  باستخدامها في قمع الانتفاضة(The Washington Post, April 1, 1991, pg. A16). وكذلك أبدى السيناتور كلايبورن بيل (Claiborne Pell) (من الحزب الديمقراطي)، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ تعاطفه مع الكورد، ومن جهة أخرى، اعتبر في واشنطن أن فشل انتفاضة الكورد، سيشكل إحراجاً سياسياً للرئيس بوش، حيث سيتعرض لانتقادات حادة، خاصةً في ظل الدعم الذي يحظى به الكورد من أعضاء بارزين في الكونگرس الأمريكي. وفي حال هزيمة الكورد، ستصبح قضيتهم وسيلة لخصوم بوش السياسيين لمهاجمته، لاسيما أولئك الذين يشعرون بالاستياء من نجاحه في حرب الخليج(Los Angeles Times, March 31, 1991, pg. A1).

       تحت الضغطٍ السياسي المتزايد في واشنطن، مدفوعاً بالأوضاع الإنسانية المأساوية للفارين الكورد إلى الجبال، أعلن ريتشارد باوتشر، المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، أن إدارة الرئيس بوش تقيّم طلبات عقد اجتماعات مع ممثلين للكورد والشيعة، مشيراً إلى إمكانية عقد بعض هذه الاجتماعات خلال الأيام التالية، وأوضح باوتشر أن الاجتماعات ستعقد على الأرجح، مع مسؤولين من مكتب شؤون الشرق الأدنى وجنوب آسيا، دون تحديد مناصبهم، تمثل هذه الخطوة تحولاً مهماً في سياسة الإدارة الأمريكية، التي كانت تقتصر سابقاً على لقاء القادة الكورد، لمناقشة القضايا الإنسانية فقط. يذكر أن وزارة الخارجية رفضت في شباط 1991، طلباً من ممثلي المعارضة الكوردية لعقد اجتماع سياسي، واكتفت بلقاء زعماء الكورد، مع مسؤولين من مكتب حقوق الإنسان خارج مبنى الوزارة، وأوضح باوتشر الموقف الجديد بالقول "أن السياسة السابقة كانت تستند إلى إصرار القيادة الكوردية، على تأسيس دولة مستقلة في العراق. أما الآن، فقد انضمت هذه القيادة إلى ائتلاف يضم عدداً من الجماعات العراقية الأخرى، وتطالب بقدر أكبر من الحكم الذاتي، متخلية عن مطلب الاستقلال"( The Washington Post, April 2, 1991, pg. A1).

        لم يكن باوتشر دقيقاً في تصريحه، إذ إن الزعماء الكورد، كانوا على دراية تامة بالظروف السياسية الإقليمية والدولية، التي تحول دون المطالبة بالاستقلال، وقد أوضحنا هذه المواقف التي تبناها زعماء الكورد في صفحات الدراسة، حيث أكدوا مراراً أن هدفهم هو الحصول على حكم ذاتي موسع، داخل عراق ديمقراطي تعددي. ولعل هذا التصريح الأمريكي يعكس موقف واشنطن المتحفظ من الاتصال المباشر مع قادة الكورد، خشيةً من ردود فعل الدول المجاورة للعراق، أو رغبةً من الولايات المتحدة في تجنب إثارة الشكوك حول طبيعة علاقاتها مع الكورد، من خلال الامتناع عن الاتصالات المباشرة مع قادتهم.

      وفي الختام مهما يكن، يمثل تغيير الموقف الأمريكي والدولي من الكورد، نقطة تحول تاريخية في مسيرتهم، إذ دخلت قضيتهم في العراق والعالم مرحلة جديدة. أصبحت الفرصة سانحة أمامهم لرسم مستقبل قضيتهم.

الخاتمة

       لقد كشفت هذه الدراسة عن الترابط الوثيق بين السياسة الدولية والقضية الكردية، مؤكدةً على الدور المحوري الذي لعبته القرارات الدولية في تشكيل مسارها. ولقد ساهمت التغطية الصحفية للأحداث في الكشف عن حقيقة الانتفاضة وتفاوت المواقف الدولية تجاهها، مما أبرز تأثير حسابات المصالح السياسية للقوى الكبرى على القرارات المتعلقة بالقضية الكوردية. فمن خلال التقارير الإخبارية، نقلت الصحافة صورة حية عن الانتفاضة، وكشفت عن حجم المعاناة الإنسانية التي تعرض لها الشعب الكردي جراء قمع النظام العراقي. وبينما أيقظت الانتفاضة آمال الكورد في تحقيق تطلعاتهم، إلا أنها كشفت أيضاً عن تغليب القوى الكبرى لحسابات مصالحها على الوفاء بالتزاماتها الدولية، مما يشير إلى التحديات المستمرة التي تواجه القضية الكوردية في ظل النظام الدولي القائم.

       استثمر الكورد الفرصة التاريخية التي أتاحتها حرب الخليج، وسعوا للتواصل مع المجتمع الدولي وطرح قضيتهم على المؤسسات الدولية. ورغم التجاهل الأمريكي المُكرر لمطالبهم، واصلوا بإصرار مساعيهم لكسب الدعم الدولي، ساعين إلى تبديد مخاوف القوى الإقليمية، لا سيما تركيا، من خلال التأكيد على أن طموحاتهم لا تتجاوز الحصول على حكم ذاتي ضمن عراق ديمقراطي موحد. إلا أن هذه المحاولات اصطدمت بِجدار سميك من الحسابات السياسية والمصالح الجيوسياسية، حيث فضّلت الولايات المتحدة الحفاظ على الاستقرار الإقليمي وعدم زعزعة علاقاتها مع حلفائها، حتى لو كان ذلك على حساب حقوق الشعب الكوردي في تقرير المصير. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الانتفاضة الكوردية عام 1991 شكّلت نقطة تحوّل في تاريخ القضية الكوردية، حيث ساهمت في زيادة الوعي الدولي بمعاناة الشعب الكوردي وتطلعاته. كما أثبتت قدرة الكورد على التنظيم والنضال من أجل حقوقهم، مما مهّد الطريق لمراحل لاحقة من العمل والتقدم نحو تحقيق حكم ذاتي موسع.

 

 

قائمة المصادر

أولاً / الوثائق المنشورة:

-                Dr. Asad Khailany’s letter to Gorge Bush  , Expresses his views Regarding the Kurdish People in Iraq, 13 March 1991, George Bush Presidential Library, accessed March 4, 2024, https://bush41library.tamu.edu/files/persian-gulf/41-CO072-211871-225130/41-co072-220282.pdf.

-                Edmund J. Hull’s letter to Dr. Asad Khailany  , George Bush Presidential Library, accessed March 4, 2024, https://bush41library.tamu.edu/files/persian-gulf/41-CO072-211871-225130/41-co072-220282.pdf

ثانياً / الصحف:

أ - الصحف الأمريكية:

-                Chicago Tribune

-                The Christian Science Monitor

-                Los Angeles Times

-                The New York Times

-                The Wall Street Journal

-                The Washington Post

ب- الصحف العراقية:

-                جريدة الجمهورية، بغداد، 26 تشرين الأول 1990.

-                جريدة الثورة، 29 آذار 1991.

ثالثاً / المذكرات :

- مام جەلال دیداری تەمەن لە لاوێتیە بۆ کۆشکی کۆماری، ئامادەکردنی: سەلاح رەشید، بەشی دووەم، چاپی سێهەم، سلێمانی، 2017

رابعاً/ الكتب باللغة الكوردية:

- د. ئاراس عەبدولرەحمان مستەفا، پانۆرامای راپەرین ورزگارکرنی شاروشارۆچکەکانی کوردستان، بەرگی چوارەم، 2018.

- بەهجەت عبدالکریم حەڤاف، سلێمانی 1991، سلێمانی، 2021

- شەوکەت حاجی مشیر، چێوەرۆ دەروازەیەک بەرەو کەرکووک ئەوەی دیومە لە راپەرینی 1991 دا، سلێمانی، 2003.

- د. عەبدوڵڵا عەلیاوەیی، ڕاپەڕینی هەولێر لە بەهاری 1991 زایینی وەک خۆی تۆمارێکی رۆژانەی مێژوویە، پێدچوونەوە: مەسعودی مەلا هەمزە،  هەولێر، 2014.

- هەلکەفت عبدالواحد صالح، پێشهاتنێن سیاسی ل کوردستانا عیراقێ 5ی ئادارا 1991-1ی گۆلانا 1994، نامەیەکە هاتیە پێشکێشکرن بۆ جڤاتا کولیژا مرۆڤایەتی، زانکویا دهوک، 2022.

- هۆشمەند عەلی مەحمود، راپەرینی شاری هەولێر لە سالی 1991، هەولێر، 2009.

خامساً / الكتب المعربة:

- جوناثان راندال، امة في شقاق دروب كوردستان كما سلكتها، ترجمة: فادي حمود، بيروت، 1997.

- نورمان شوارتزكوف، شوارتزكوف في  الخليج النص الكامل لمذكرات نورمان شوارتزكوف مع الوثائق والصور النادرة، ترجمة: حسام الدين كساب متولي، القاهرة، 1993،  ص ص290-291.

سادساً / مواقع الانترنت:

-                https://www.youtube.com/watch?v=ztOfsxH9AOY

الهوامش

1.     (يصف جلال طالباني شعوره عندما تلقى نبأ غزو العراق للكويت، وهو في منزله بدمشق، قائلاً "استيقظت على هذا الخبر الذي غمرني بفرحة عارمة، فقد أيقنت في تلك اللحظة أن صدام ارتكب خطأً فادحاً سيقوده حتماً إلى نهايته". ينظر: The New York Times, March 27, 1991, pg. A8.

2.     (يجدر التنويه إلى أن الصحف الأمريكية استخدمت مصطلحي "المقاتلين الكورد" و"المتمردين الكورد"، في حين اعتمد البحث مصطلح "المقاتلين الكورد".

3.     بعد مضي أشهر على تأسيس الجبهة الكوردستانية في الثاني من أيار 1988، وخلال سلسلة من الاجتماعات التي عقدت لبحث مسألة رئاسة الجبهة، توصلت الأحزاب المنضوية تحت لوائها إلى اتفاق، بناءً على اقتراح مقدم من محمد عزيز (السكرتير العام للحزب الشيوعي العراقي)، ونص الاتفاق على تولي جلال طالباني، مسؤولية الجبهة خارج كوردستان والعراق، فيما عهد إلى مسعود البارزاني مسؤولية قيادة الجبهة داخل كردستان. ينظر: سامان نوري محمود، كركوك ما بين 1991-2003، كلية العلوم الإنسانية، جامعة السليمانية، 2018، ص 52.

4.     تناولت العديد من المصادر أحداث انتفاضة عام 1991 بالتفصيل، منها: د. ئاراس عەبدولرەحمان مستەفا، پانۆرامای راپەرین ورزگارکرنی شاروشارۆچکەکانی کوردستان، بەرگی چوارەم، 2018؛ بەهجەت عبدالکریم حەڤاف، سلێمانی 1991، سلێمانی، 2021؛ هۆشمەند عەلی مەحمود، راپەرینی شاری هەولێر لە سالی 1991، هەولێر، 2009؛ د. عەبدوڵڵا عەلیاوەیی، ڕاپەڕینی هەولێر لە بەهاری 1991 زایینی وەک خۆی تۆمارێکی رۆژانەی مێژوویە، پێدچوونەوە: مەسعودی مەلا هەمزە، هەولێر، 2014؛ شەوکەت حاجی مشیر، چێوەرۆ دەروازەیەک بەرەو کەرکووک ئەوەی دیومە لە راپەرینی 1991 دا، سلێمانی، 2003؛ هەلکەفت عبدالواحد صالح، پێشهاتنێن سیاسی ل کوردستانا عیراقێ 5ی ئادارا 1991-1ی گۆلانا 1994، نامەیەکە هاتیە پێشکێشکرن بۆ جڤاتا کولیژا مرۆڤایەتی، زانکویا دهوک، 2022.

5.     أوضح السيد كاميران قرەداغي، الذي شغل منصب رئيس مكتب جلال طالباني طيلة فترة رئاسته لجمهورية العراق (2005-2014)، خلال مقابلة له مع قناة بي بي سي العربية، بأنه اقترح على الرئيس التركي تورغوت أوزال، خلال لقاء صحفي معه في شباط 1991، عقد لقاء في تركيا مع القادة الكورد في العراق، وقد لاقى الاقتراح قبولا من الجانب التركي، مما فتح الباب أمام حوار رسمي بين أنقرة والقادة الكورد. يشاهد: https://www.youtube.com/watch?v=ztOfsxH9AOY , 12:05 .

6.     استضافت العاصمة التركية أنقرة، خلال يومي التاسع والعاشر من آذار 1991، وفداً كردياً بارزاً، ضمّ كلاً من جلال طالباني وسفين دزەی. وقد رحّب طونغاي أوزكيزي (مساعد وزير الخارجية التركي)، بالوفد، مستمعاً إلى رغبتهم في تعزيز التعاون مع تركيا في مختلف المجالات. وطلب الوفد الكوردي من الحكومة التركية، تقديم الدعم العسكري والإنساني الضروري للكورد، كما أعرب عن أمله في أن تلعب تركيا دوراً فاعلاً، في تسهيل التواصل مع المجتمع الدولي، وخاصةً الولايات المتحدة الأمريكية، بهدف إقامة حوار بناء. وعلى ضوء هذا اللقاء، عقد الرئيس أوزال اجتماعاً طارئاً ضم المجلس الوزاري المصغر، ورئيس أركان الجيش التركي، ناقش فيه سبل التعامل مع القضية الكوردية في العراق. ينظر: جوناثان راندال، امة في شقاق دروب كوردستان كما سلكتها، ترجمة: فادي حمود، بيروت، 1997، ص ص 127-128.

7.     أفادت صحيفة الثورة، الناطقة باسم حزب البعث العربي الاشتراكي، بأن عزة إبراهيم، نائب رئيس مجلس قيادة الثورة ونائب رئيس القائد العام للقوات المسلحة، قام بزيارة إلى مدينة كركوك ظهر يوم الثامن والعشرين من آذار 1991. وتجول في شوارع وأزقة المدينة بعد إخراج المقاتلين الكورد من المدينة. ينظر: جريدة الثورة، 29 آذار 1991، العدد 7584، ص1.


 

 

 

 

 

 

کۆرتی:

سەرهلدانا ادارا سالا 1991 ل کوردستانا عیراقێ، دهێتە نیاسین رویدانەکا گرنگ دمێژوویا خەباتا مللەتێ کورد، ژبو بدەسڤەئینانا مافێن رەوایێن نەتەوەیی، ئەڤ سەرهلدانە دەستپێدکەت پشتی شەرێ گەنداڤی یێ دووێ بدوماهیک هاتی، وئەو لاوازیی یا کەتیە درێزێن لەشکەرێ عیراقێ دا پشتی شکەستنا وی دشەری دا ، دیسان ئەو نەرازیبوونا جەماوەری دناڤ ریزێ خەلکی دا دژی دەستهەلاتا صدام حسین، زێدەباری دەستپێکرنا سەرهلدانا باشورێ عیراقێ، ئەڤە هەمی دبنە هاریکار سەرهلدان ل کوردستانێ دەستپێبکەت. ژسالوخەتێن ئەڤێ سەرلهدانێ ئەو بو یا جەماوەری بوو هەمی تەخ وچینێن مللەتێ کورد بەشداری تێدا کری یە، ئەوێن کونترول ل سەر باژێر ودەڤەرێن کوردی کری، وداخازا روخاندنا دەستهەلاتا صدام حسین کریە، ودامەزراندنا دەستهەلاتا بخو رێڤەبرنێ ل کوردستانێ. سەرهلدان رومالەکا بەرفرە لێدهێتە کرن ژلایێ رۆژنامێن سەرەکیێن ئەمریکی ڤە، وئەڤان رۆژنامان گرنگی دایە ڤەگوهاستنا دەنگ وباس ورویدانێن سەرهلدانێ وکورستانێ وعیراقێ، وڤان رۆژنامان هەولدان کرینە وێنەیەکێ راستەقینە ڤەوگوهێزن، وکار کریە هەلویستێن سیاسیێن فەرمی یێن حکومەتا ئەمریکی وسەرکردێن کورد ڤەگوهێزن. وئەڤێ رومالا روژنامەگەریی پێشڤەچونێن گرنگ یێن رویدانێن سەرهلدانێ وکارتێکرنا نیڤ دەولەتی کریە، رولێ رۆژنامەگەریێ گرنگ دایە دیارکرن ژبو ڤەگوهاستنا رویدانێن مێژوویی.

 

 

 

 

MAJOR AMERICAN NEWSPAPERS AND THEIR COVERAGE OF THE 1991 IRAQI KURDISTAN UPRISING: A STUDY OF EVENTS AND OFFICIAL POSITIONS

ABSTRACT:

The March 1991 revolt in Iraqi Kurdistan marked a watershed moment in the Kurdish people's battle for national rights. The rebellion began in the aftermath of the Second Gulf War, taking advantage of the Iraqi army's vulnerability following its defeat and popular anger with Saddam Hussein's regime, coinciding with an uprising in southern Iraq. The revolt was marked by widespread participation from diverse elements of the Kurdish people, who gained control of the majority of Kurdish cities and territories, demanding the overthrow of Saddam Hussein's dictatorship and the establishment of Kurdish autonomy. Major American publications provided significant coverage of the March rebellion, which focused on reporting events in Kurdistan and Iraq. These newspapers sought to present a realistic picture of what was happening on the ground, shedding light on the political positions of the US government and Kurdish leaders. This media coverage provided an important account of the developments of the uprising and its international repercussions, highlighting the important role of journalism in documenting historical events.

KEYWORDS: Uprising, Kurds, Newspapers, USA, Self-Rule.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



([1]) يصف جلال طالباني شعوره عندما تلقى نبأ غزو العراق للكويت، وهو في منزله بدمشق، قائلاً "استيقظت على هذا الخبر الذي غمرني بفرحة عارمة، فقد أيقنت في تلك اللحظة أن صدام ارتكب خطأً فادحاً سيقوده حتماً إلى نهايته". ينظر: The New York Times, March 27, 1991, pg. A8.

([2]) يجدر التنويه إلى أن الصحف الأمريكية استخدمت مصطلحي "المقاتلين الكورد" و"المتمردين الكورد"، في حين اعتمد البحث مصطلح "المقاتلين الكورد".

([3]) بعد مضي أشهر على تأسيس الجبهة الكوردستانية في الثاني من أيار 1988، وخلال سلسلة من الاجتماعات التي عقدت لبحث مسألة رئاسة الجبهة، توصلت الأحزاب المنضوية تحت لوائها إلى اتفاق، بناءً على اقتراح مقدم من محمد عزيز (السكرتير العام للحزب الشيوعي العراقي)، ونص الاتفاق على تولي جلال طالباني، مسؤولية الجبهة خارج كوردستان والعراق، فيما عهد إلى مسعود البارزاني مسؤولية قيادة الجبهة داخل كردستان. ينظر: سامان نوري محمود، كركوك ما بين 1991-2003، كلية العلوم الإنسانية، جامعة السليمانية، 2018، ص 52.

([4]) تناولت العديد من المصادر أحداث انتفاضة عام 1991 بالتفصيل، منها: د. ئاراس عەبدولرەحمان مستەفا، پانۆرامای راپەرین ورزگارکرنی شاروشارۆچکەکانی کوردستان، بەرگی چوارەم، 2018؛ بەهجەت عبدالکریم حەڤاف، سلێمانی 1991، سلێمانی، 2021؛ هۆشمەند عەلی مەحمود، راپەرینی شاری هەولێر لە سالی 1991، هەولێر، 2009؛ د. عەبدوڵڵا عەلیاوەیی، ڕاپەڕینی هەولێر لە بەهاری 1991 زایینی وەک خۆی تۆمارێکی رۆژانەی مێژوویە، پێدچوونەوە: مەسعودی مەلا هەمزە، هەولێر، 2014؛ شەوکەت حاجی مشیر، چێوەرۆ دەروازەیەک بەرەو کەرکووک ئەوەی دیومە لە راپەرینی 1991 دا، سلێمانی، 2003؛ هەلکەفت عبدالواحد صالح، پێشهاتنێن سیاسی ل کوردستانا عیراقێ 5ی ئادارا 1991-1ی گۆلانا 1994، نامەیەکە هاتیە پێشکێشکرن بۆ جڤاتا کولیژا مرۆڤایەتی، زانکویا دهوک، 2022.

([5]) أوضح السيد كاميران قرەداغي، الذي شغل منصب رئيس مكتب جلال طالباني طيلة فترة رئاسته لجمهورية العراق (2005-2014)، خلال مقابلة له مع قناة بي بي سي العربية، بأنه اقترح على الرئيس التركي تورغوت أوزال، خلال لقاء صحفي معه في شباط 1991، عقد لقاء في تركيا مع القادة الكورد في العراق، وقد لاقى الاقتراح قبولا من الجانب التركي، مما فتح الباب أمام حوار رسمي بين أنقرة والقادة الكورد. يشاهد: https://www.youtube.com/watch?v=ztOfsxH9AOY , 12:05 .

([6]) استضافت العاصمة التركية أنقرة، خلال يومي التاسع والعاشر من آذار 1991، وفداً كردياً بارزاً، ضمّ كلاً من جلال طالباني وسفين دزەی. وقد رحّب طونغاي أوزكيزي (مساعد وزير الخارجية التركي)، بالوفد، مستمعاً إلى رغبتهم في تعزيز التعاون مع تركيا في مختلف المجالات. وطلب الوفد الكوردي من الحكومة التركية، تقديم الدعم العسكري والإنساني الضروري للكورد، كما أعرب عن أمله في أن تلعب تركيا دوراً فاعلاً، في تسهيل التواصل مع المجتمع الدولي، وخاصةً الولايات المتحدة الأمريكية، بهدف إقامة حوار بناء. وعلى ضوء هذا اللقاء، عقد الرئيس أوزال اجتماعاً طارئاً ضم المجلس الوزاري المصغر، ورئيس أركان الجيش التركي، ناقش فيه سبل التعامل مع القضية الكوردية في العراق. ينظر: جوناثان راندال، امة في شقاق دروب كوردستان كما سلكتها، ترجمة: فادي حمود، بيروت، 1997، ص ص 127-128.

([7]) أفادت صحيفة الثورة، الناطقة باسم حزب البعث العربي الاشتراكي، بأن عزة إبراهيم، نائب رئيس مجلس قيادة الثورة ونائب رئيس القائد العام للقوات المسلحة، قام بزيارة إلى مدينة كركوك ظهر يوم الثامن والعشرين من آذار 1991. وتجول في شوارع وأزقة المدينة بعد إخراج المقاتلين الكورد من المدينة. ينظر: جريدة الثورة، 29 آذار 1991، العدد 7584، ص1.