الحس مصدرًا للمعرفة- دراسة نقدية عقلية لتجريبية جون لوك

علي عبد القادر مصطفى *1، آماد كاظم محمد صالح 2

1 قسم الدراسات الإسلامية، فاكولتي العلوم الإنسانية، جامعة زاخو، إقليم كردستان – العراق.

2 قسم الدراسات الإسلامية، فاكولتي العلوم الإنسانية، جامعة زاخو، إقليم كردستان – العراق.

تاريخ الاستلام: 04/2023             تاريخ القبول: 10/2023    تاريخ النشر: 04/2024  https://doi.org/10.26436/hjuoz.2024.12.2.1226

الملخص:

يهدف البحث إلى عرض الرؤية التجريبية عند رائد فلسفتها في العصر الحديث الإنكليزي جون لوك، كونه المنظر لها، وكل من جاء بعده إنما هم آخذون منه فلسفته تلك، ولأن الفلسفة التجريبية تعتبر الفلسفة المهيمنة على الساحة الفلسفية والعلمية في العالم الغربي في الوقت الحالي، وتكاد تصبح العدسة الوحيدة التي يرى من خلالها الغرب العالم، وما لهذه الفلسفة من أهمية وتأثير على الرؤية الغائية للإنسان وعلاقته بالعالم سواء في بعده الفيزيقي أو الميتافيزيقي كان لا بد -والحال هذه- من عرض شفاف ومتوازن لأبرز حججها ومحاولة تقديم نقد بنَّاء لها من قِبَل خصومهم العقلانيين، وذلك في نقد عقلي لهذه الفلسفة من وجهة نظرنا، في دراسة تحليلية نقدية، مستعينًا بأدلة عقلية تجريبية، وملزمًا للطرف المقابل القائل بالتجريبية بلازم قوله. وتم التوصل إلى أن الفلسفة التجريبية القائلة بأن المعرفة الحقة إنما هي من خلال التجربة والحواس فحسب تحمل عوامل نقضها داخليًا، كونها لا تستطيع أن تثبت دعواها من خلال التجربة، مما يعني أنها لا تعتبر المصدر الوحيد الموثوق للمعرفة، كما أن جون لوك يؤمن بتجريبية معينة للعقل دور فعال وأساسي في تحديد ملامحها، منكرًا للضرورات العقلية الأولية، ومثبتًا في الوقت نفسه وجود الخالق والشعور بالذات الإنسانية، والتي تعتمد في طيات استدلالها قانون السببية الفطري. بالإضافة إلى أن التجربة معتمدة بالضرورة على استقراء ناقص تقيس الغائب على الشاهد في الحكم، فيمكن -أقلها إمكانًا عقليًا- أن تُرفض كونها مجرد تجربة لم تسنح الفرصة لإيجاد أمثلة مخالفة لها فحسب، وعليه فاليقين الذي ينشده جون لوك ممتنع. والدراسات المسحية الأنثروبولوجية التي أجريت على الأطفال أثبتت أنهم في مراحل مبكرة جدًا يدركون المبادئ الفطرية ووجود كائن أسمى وإن لم تكن هذه المفاهيم محددة لديهم ودون معرفة ماهيتها، فهو إدراك عملي لا نظري.

الكلمات الدالة: جون لوك، الفلسفة التجريبية، الحس، الفلسفة العقلية، الأوليات العقلية.


1. التعريف بالبحث

1. 2. المقدمة:

يعد مبحث المعرفة من المباحث التي يمكن القول بأن لب تاريخ الفلسفة متعلق به، وهو البحث عن المعرفة وكيفية اكتسابها ومدى مصداقيتها، ولا غرو أن الفلاسفة والنُظَّارَ اختلفوا في ذلك اختلافًا كبيرًا حتى كان منهم من أنكر إمكان المعرفة تمامًا، فانقسموا على إثر ذلك إلى أغلبية ترى إمكانها، وأقلية تقف على النقيض من ذلك.

والذين قالوا بإمكان المعرفة انقسموا بدورهم إلى فرق اختلفوا في كيفية تحصيلها ومدى موثوقيتها، فنتج عن ذلك ظهور مدارس مختلفة، منها: المدارس المثالية، والمادية، والبراغماتية، وغير ذلك مما يتفرع عنها.

وترجع المدرسة الحسية إلى المدرسة المادية، وهذه المدرسة ترى أن كل ما نعرفه إنما نعرفه عن طريق الحس، فلا مصدر للمعرفة سوى الحس، وما لا يقع تحت طائلة الحواس فلا مجال لمعرفته.

بينما المدرسة العقلية في عمومها مدرسة توفيقية في الجمع بين المصادر المختلفة للمعرفة، فلا تدعي اكتفاء الإنسان بمصدر واحد دون الآخر، بل تتضافر هذه المصادر للوصول إلى المعرفة والتيقن منها.

وتعد المدرسة العقلية والحسية من أمهات المدارس المتصارعة منذ أمد بعيد، ولم يبدأ الأمر بتبني ديكارت للعقلانية ولوك للتجريبية، بل إن الحس كان وما زال حاضرًا في النقاش الفلسفي بوصفه مصدرًا قويًا من مصادر المعرفة، وتجد ذلك ظاهرًا عند فلاسفة اليونان باختلاف مشاربهم، وممن جعل الحس المبتدى والمنتهى (بروتاغوراس- 500 ق. م)، فيمكن اعتباره من أشهر من جعلوا مقياس العلوم هو الإنسان بما يكتسبه عن طريق حواسه، فأدى به ذلك بالضرورة إلى النسبية المعرفية، وبالتأكيد لكي يتجنب التناقض مع نفسه كان لا بد أن ينكر وجود الإله، أو على الأقل أن يشكك في وجوده، فيقول: "فيما يخص الآلهة، ليس بوسعي أن أشعر إن كان هناك آلهة أم لا، ولا كيف أو ماذا تشبه، ذلك أن هناك كثيرًا من الأشياء تعيق المعرفة الأكيدة، منها غموض الموضوع وقصر عمر الإنسان". (راسل، 2020، 115)، (تيس، 1984، 101). فهو أكثر اتساقًا مع مذهبه من جون لوك أحد أبرز الفلاسفة التجريبيين في التاريخ الحديث، الذي -كما سيأتي- يؤمن بالإله ثم لا يجد مصدرًا آخر للمعرفة جديرًا بالثقة سوى الحواس!

لكن بروتاغوراس مع ذلك كان نفعيًا، فكان مدافعًا عن التقاليد والأخلاق رغم شكه في وجود الآلهة، وكان مع عبادتها لضرورتها على المستوى الاجتماعي، فهي وجهة براغماتية صرفة ترى أن المجتمع لا يمكن أن يستقيم إلا بمفاهيم متعلقة بوجود إله متجاوز يمكن استمداد القيم والأخلاق والقانون والالتزام بها منه. (راسل، 2020، 115).

ولا غرو بعد أن تمحورت المعرفة حول الحس أن يُمد الخط إلى آخره عند أحد السفسطائيين، غورغياس أو جورجياس، وهو من أشهر السفسطائيين العناديين، إذ يدعي بأن لا شيء موجود، وإن حدث وأن وُجِد شيء ما، فلا يمكن معرفته، وإن افترضنا أنه عُرف من قِبَل أي إنسان، فإنه لا يستطيع إيصاله إلى غيره. (راسل، 2020، 117).

ومع سخف هذه الفكرة التي تحمل ما ينقضها في ذاتها إلا أنها نتيجة طبيعية لاكتفاء القوم بمصدر واحد فقط، وهو الحس.

فنبدأ أولًا بأن الحس هو المصدر الوحيد الموثوق للمعرفة.

ثم نشكك بقدرة الحس على الاطلاع على كل شيء، وهذا منطقي ومتفق عليه.

ثم نشكك بقدرة الحس على إيصال المعرفة بالدقة الكافية التي تنفي الشك عن هذه المعرفة، حتى في المجالات التي كنا ندعي مسبقًا على قدرة الحس في البت فيها.

ثم نقول بالعندية (بروتاغوراس) التي تذهب إلى نسبية الحقيقة، وأن ما هو عندك حقيقي عندك، وما عندي حقيقي عندي.

ثم نقول بالعنادية (جورجياس) والتي تنفي وجود أي شيء، ولو قلنا تنزلًا بوجوده، فلا يمكن معرفته، ولو تنزلنا مرة أخرى بإمكان معرفته فلا يمكن إيصال تلك المعرفة للناس.

فهذه هي النتيجة المنطقية التي تكون كامنة وإن لم يُفصح عنها التجريبيون في التاريخ الحديث، الذين يتجنبون الانتساب إلى السفسطائية وإن كانوا يسيرون في ذات الدرب الذي ساروا فيه، وأخذوا بذات الأسباب التي اكتسبوا بها ذلك اللقب المرتبط بالمغالطة ثم الذي سار ببعضهم نحو العدمية.

وفي تجاوز زمني لعصور عديدة ننتقل إلى القرن السابع عشر، والامبراطورية البريطانية بالتحديد، والتي تعد محضن الفلاسفة ذوي النزعة التجريبية كجون ستيوارت ميل، وديفيد هيوم، هنا حيث ولد جون لوك الذي يعد من أشهر الفلاسفة التجريبيين ورائدها في العصر الحديث، وأهم كتبه على الإطلاق كان في باب نظرية المعرفة والانتصار للتجريبية ضد الأوليات العقلية، فكان كتابه ذائع الصيت (مقالة في الفهم البشري)، الذي ألفه سنة 1689، والذي قال عنه مترجم أعماله الكاملة إلى العربية عبد الكريم ناصيف في مقدمة المترجم على كتاب مقالة في الفهم البشري: "لعل مقالة الفهم البشري هي أهم ما أنتجته الفلسفة الحديثة. ذلك أنه ما من عمل آخر كان له ذلك التأثير الواسع الذي كان لهذه المقالة على أفكار البشر وآرائهم". (لوك، 2019، 103).

ولا يمكن إلا أن نوافق الأستاذ في رأيه هذا، فتأثير جون لوك وتجريبيته وتبشيره بها وتتلمذ كثير من العقول على هذه الفكرة جعلتها المهيمنة -على الأقل على المستوى العملي- على المشهد الفلسفي الحديث والمعاصر، فترى الغرب متبنيًا لهذه الفلسفة محتفيًا بها، جاعلًا من الحياة الغربية ترجمة عملية للفلسفة التجريبية والتي تؤدي بالضرورة إلى إنكار كل ما سواها، سواء في لسان الحال أو المقال، وجاعلًا العولمة رسولًا يبشر بهذه الفلسفة عند باقي أمم الأرض.

وحاول جون لوك أن يصل إلى اليقين في مجالات معينة، ويريد أن يحسم الأمر فيها، لكنه يعترف بأن هنالك مجالات يجب الاعتراف بعدم قدرتنا على البت فيها، ونرضى بشيء من الشك في تلك المجالات التي تقع خارج متناول الحواس. وهذا ما يذكرنا ببروتاغوراس، لكن الأخير كان على الأقل شاكًا في وجود الإله لعدم القدرة على الموائمة بين الإيمان بوجود كائن متعال عن المادة والحس وبين الادعاء أن الحس هو الطريق الوحيد للمعرفة الحقيقية، وهذا ما فعله جون لوك في تناف صارخ مع ما يفترض أن يدعو إليه من التجريبية.

3.1. أهمية البحث:

تكمن أهمية البحث في تناولها لمسألة خطيرة في مجال المعرفة، فبعد تجاوز إمكان المعرفة فإن القول بتجريبيتها يعيدنا إلى المربع الأول حول مدى إمكانية الثقة بها في ضوء حصرها في المجال الحسي التجريبي.

4.1. مشكلة البحث:

أخطر ما ينتج عن القول بالتجريبية هي عدم اليقين في المعرفة، ففي ضوء التجريبية المعتمدة على ما هو ماثل للحواس الخاضع للتجربة سواء التجربة الظاهرة أو الباطنة دون اعتماد على مبادئ عقلية ضرورية يؤدي ذلك بالضرورة إلى عدم الثقة في أي معطى معرفي لاعتماده على النسبية، فلا يبقى ما هو موضوعي، بل كل شيء ذاتي راجع إلى الذات المدركة وتجاربها. وهو ما يؤدي بنا إلى الشك في كل شيء دون أن نملك طريقة للخروج من حالة اللايقين تلك.

5.1. أهداف البحث:

يركز البحث على النقد لمفهوم التجريبية عند رائدها جون لوك، وذلك بعرض فلسفته عرضًا موضوعيًا بالاعتماد على ما كتبه هو، وكما فهمه دارسوه أيضًا، ثم نقد مقولاته تلك وموقفه من القبليات المعرفية على محورين رئيسيين، المحور العقلي، والمحور التجريبي الاستقرائي نفسه الذي اعتمد عليه جون لوك.

6. 1. منهج البحث:

والمنهج المتبع في البحث هو منهج تحليلي نقدي، بعرض الآراء عرضًا موضوعيًا، ثم تحليل تلك الآراء ونقدها من منظور المدرسة الفلسفية العقلية.

1. 7. خطة البحث:

ستكون خطة البحث -بعد المقدمة- مبنية على مرتكزين:

المرتكز الأول: في هذا المرتكز سنعرض الفلسفة التجريبية من وجهة نظر جون لوك تحديدًا، بإيراد أبرز حججه واعتراضاته على المذهب المقابل، ثم عرض تناوله لمفهوم الفطرة المعرفية، وكيفية نقده إياها.

والمرتكز الثاني سيكون التطرق لمناقشة آرائه تلك ونقد فلسفته وأبرز حججه.

ونختم البحث بعرض النتائج التي توصل إليها البحث في نقاط محددة.

2. عرض لفلسفة جون لوك وموقفه من القبليات

1.2. لوك ومصدرية المعرفة:

إن جون لوك يفترض أن العقل بتعبيره هو (ورقة بيضاء) لا يحتوي على شيء يمكن أن يسمى معرفة، لا كامنة ولا صريحة، ثم الخبرات والاحتكاك بالواقع ينقش على العقل معرفة تلو الأخرى بعد أن كان خلوًا منها.

يقول لوك: "دعونا إذن نفترض أن الذهن، كما يمكن القول، ورقة بيضاء خالية من أي أحرف، ومن دون أية أفكار، كيف تُراه يُزوَّد بها؟ من أين يأتي ذلك الخزان الواسع الذي يجمعه خيال الإنسان المشغول دائمًا واللامحدود بمختلف أنواع الأفكار التي لا نهاية لها تقريبًا؟ من أين تأتي مواد العقل والمعرفة كلها؟ على هذا أجيب بكلمة واحدة: من التجربة كل ما يشكل معرفتنا، ومن التجربة تستمد ذاتها كليًا". (لوك، 2019، 185).

فهذا هو رأي جون لوك الذي بيَّنه في كتابه الذائع الصيت (مقالة في الفهم البشري). ومقالات الكتاب يمكن وضعها في أربع مقالات، يتطرق في الأولى في عرض الضروريات العقلية والرد عليها، والثانية تبيين الأصل التجريبي للأفكار وتقسيمها إلى بسيطة ومركبة، والثالثة في التأثير اللغوي على الأفكار والكيفية التي تدل بها الألفاظ عل المعاني، واعتراضه على الفلسفة المدرسية كونها لفظية، ثم ختم ذلك بمقالة حول المعرفة، وفيما يتيسر من اليقين من وجهة نظره. (كرم، 2017، 147). فيوضح جون لوك في هذا الكتاب نظرته لأصل المعرفة بأن مصدرها الحس والتجربة لا غير، منكرًا بذلك المعرفة الفطرية أو الغريزية، فولادة الإنسان متجردًا من أي معرفة قبلية هي الأصل، ثم من خلال التجربة، والتجربة فقط.. يمتلك الإنسان المعرفة. فيقول في مقالته:

"الرأي السائد لدى بعض الناس أنه يوجد في فهمنا بعض المبادئ الفطرية، بعض الأفكار الأولية، الماهيات، إن جاز القول، المطبوعة في ذهن الإنسان، التي تتلقاها الروح لدى خلقها الأول ذاته، وتحملها معها إلى العالم. ولسوف يكون كافيًا أن نقنع القراء غير المتعصبين ببطلان هذه الفرضية وزيفها، إن كان علي فقط أن أبين (كما آمل أن أفعل في الأجزاء التالية من هذه المقالة) كيف أن الناس من خلال استخدام ملكاتهم الطبيعية فقط، يمكنهم تحصيل كل المعرفة التي يحصلونها، من دون مساعدة من أية انطباعات فطرية، كما يمكنهم التوصل إلى اليقين، من دون وجود أية أفكار أو مبادئ أصلية كهذه، إذ أتصور أن أي إنسان يسلم بسهولة، بأن من غير المعقول أن نفترض وجود أفكار ذات لون فطري، لدى المخلوق الذي وهبه الإله البصر والمقدرة على أن يتلقاها بعينيه من الأشياء الخارجية مباشرة، ولن يكون الأمر أقل لا معقولية أن تعزى حقائق عدة إلى الانطباعات الطبيعية والماهيات الفطرية، حين يمكننا أن نلاحظ بأنفسنا أن ملكاتنا ملائمة لتحصيل معرفة بها، سهلة وأكيدة، وكأنها كانت منطبعة أصلًا في الذهن". (لوك، 2019، 127).

إذن المصدر الوحيد للمعرفة عند لوك يأتي من التجربة الحسية، ولكن السؤال هو هل يقول لوك -كما هو الحال مع متطرفي الحسيين- بأن المعرفة الحسية تعني استقائها من الحواس الخمس الظاهرة فحسب. وهذا ما سنبينه في الصفحات الآتية.

2.2. العقل ودوره في العملية المعرفية عند لوك:

كيف ترد الأفكار إلى العقل؟ هذا هو السؤال الذي يريد لوك بكل قوته أن يجيب عنه، إذ إنه إن استطاع إثبات استمداد الأفكار من التجربة فقط، فسيكون لازم ذلك بأن المعرفة يمكن استقائها من التجربة فقط، وهي التي يمكن اعتبارها مصدرًا وحيدًا للمعرفة التي يمكن للإنسان الحصول عليها.

يشير لوك بأن الأفكار إنما تكتسب من مصدرين، هما الإحساس أو التأمل، فالمحسوسات تنقل إلى الذهن أفكارًا متمايزة عن الأشياء، وتلك الأفكار هي التي توصل الإنسان المفكر إلى مفاهيم الألوان والشعور الحسي كالبرودة والسخونة والخشونة والنعومة وغيرها. والثانية سوى المحسوسات هي العمليات الذهنية أو التأملية، فهناك مفاهيم لا تتوفر من خلال الاحتكاك بالأشياء في الخارج، كالأفكار والإيمان والشكوك والإرادة والمعارف وغيرها من المفاهيم الخارجة عن سلطة المحسوس، وإن كانت تعود إليه -الحس- كمصدر لإنشائها. ويصفها لوك بالحاسة الداخلية، ويسميها بالأفكار ليميزها عن المصدر الأول وهي الحاسة. وهذان المصدران -عند لوك- وما ينشأ عنهما معًا أيضًا هما الوحيدان اللذان يتحصل الإنسان من خلالهما على المعرفة. (لوك، 2019، 185-187).

ما يعني أن ما هو غير حسي فهو معتمد على الحس كمعطى يضمن له التواصل مع العالم الخارجي الذي يستمد منه أفكاره التي يعمل على تجريدها وتركيبها وتحليلها. وهو ذات التعاطي الذي يُقر به العقلانيون في تناولهم للضرورات العقلية مع استثناء الشعور بالنفس والأنا الذي يُعرف حدسيًا كما سنأتي إليه في القادم من الصفحات.

"إن بعض أفكارنا ليست مجرد أفكار ذات خصائص حسية، لأن التجربة تزودنا أيضًا بعدد من الأفكار الخاصة بما تحدثه عقولنا من تأثير على الأفكار التي نستمدها من الإحساس، فلدينا مثلًا فكرة الإدراك، ولكنها بالأحرى فكرة عملية ذهنية قد تتخذ جميع أنواع الأشياء الحسية كموضوعات لها، وبعبارة أخرى، فإننا أو (بمقدورنا) أن نكون على دراية بمختلف الأشياء الحسية، ونكون أيضًا على دراية بانشغال عقلنا بعمل أو فعل له طابع خاص، عندما نرى أو نسمع أو نلمس شيئًا ما". (شاخت، 1997، 143).

فالعقل بتعبير لوك صفحة بيضاء نخط عليها بتجاربنا، لا وجود فيه للمبادئ والأفكار، وهو مفتقر تمامًا لما تجود به التجربة، فتكوِّن بها أفكارها ومبادئها. (لوك، 2019، 185).

إذن العقل لا يقف على الحياد تجاه المعرفة دون أن يكون له دور في تكوينها بعد أن تمده الحواس بالمعطيات الحسية، فخلو العقل -عند لوك- لا يعني أنه يقف بالسلب من العملية المعرفية، بل لديه قدرات عظيمة ودقة في إجراء العمليات من الخيال والتصور والتذكر والمقارنة، وغيرها من القدرات، فلديك من العمليات العقلية التبسيط والتشخيص والتركيب والتجريد، فهذه ليست أفكار مكتسبة من التجربة الحسية، بل هي تعتبر من خواص العقل الذاتية التي لا تفتقر إلى التجربة لإيجادها، بل لتفعيلها فقط. (راوية، 1996، 40).

والعائق الذي كان يقف أمام لوك بداية كان هو إثبات عدم وجود ما يسمى بالأفكار الفطرية أو المبادئ الفطرية الضرورية، فـ "بدأ لوك -في كتابة مقالة في الفهم البشري- بإبطال نظرية ديكارت في وجود ما يسمى بالأفكار الفطرية، أي التي تولد مع الإنسان، فهي قبلية (المذهب الغريزي)، فجميع أفكارنا تعود إلى أحد مصدرين: الحس، وتجاربه، ثم الفكر، أي عمليات العقل الداخلية التي تستند إلى المعطيات الحسية، ثم تصنع منها معلومات أخرى مستقلة عن الحس، مثل: الشك، والاعتقاد، والإرادة... فالفكر -إذن- هو وعي الروح بعملياتها المختلفة وكيفياتها. وليس للعقل مصدر ثالث" (بلكا، 2008، 39).

"ومن هنا نظر لوك الى التحليل التجريبي والاستدلال الاستقرائي عند علماء الفيزياء كنموذج للمعرفة الحقة عندما يتعلق الأمر بالأمور الواقعة، ومن المفروض أن العالِم التجريبي يتبعها في أداء مهمته، يعني عند مواءمته النظريات والأفكار بالمعطيات المشاهدة. ولقد حاول ديكارت تحرير الفلسفة من القيود الخارجية التي فرضها عليها اللاهوت المسيحي، أما لوك فقد سعى لتحريرها مما اعتقد أنه معايير الرياضيات الغريبة عنها"(شاخت، 1997، 125).

ويرى لوك بأن من الضروري قبل الشروع في البحث في المسائل ذات الطبيعة الميتافيزيقية أن نكشف عن قدراتنا في الخوض فيها ومدى إمكانيتها في الكشف عنها، فنتعرف بذلك على ما يهمنا أن نبحث فيه. (شاخت، 1997، 124).

إذن فإن لوك لم يكن واثقًا تمامًا بقدرة العقل على الخوض في الميتافيزيقا، ليس لعدم إيمانه بعدم وجودها، بل كان مؤمنًا بالله، ومتمسكًا بالعقائد المسيحية، وإن لم يكن على الطريقة الكنسية حينذاك، لكنه كان يرى بأن خوض العقل في هذا الأمر لن يؤتي ثماره، فكون المعرفة تكتسب فقط عن طريقة الحواس الظاهرة والباطنة، وكون الميتافيزيقا خارجة عن نطاق الادراك الحسي فكان لا بد -من وجهة نظر لوك- أن لا يعول على العقل في معرفة الماوراء، إذ العقل ليس مصدرًا موثوقًا به في الكشف عن ذلك البتة، على خلاف ما ذهب إليه ديكارت، والذي كان من الأهداف الأساسية للوك في تأليف كتابه (مقال في الذهن البشري) بيان خطأ عقلانيته (الديكارتية).

يؤكد لوك على أنه من الضروري دعوة العقل البشري للحذر من الخوض في المسائل الميتافيزيقية التي تتجاوز قدراته واستيعابه، أي أنه بعد أن يبذل كافة قدراته في الوصول إلى الحقيقة وعجزه عن المضي قدمًا، فعليه هنا أن يرضى بما توصل إليه، وأن الجهل بهكذا قضايا أمر طبيعي ينبغي الوقوف عنده". (شاخت، 1997، 126).

3.2. موقف جون لوك من المبادئ العقلية الضرورية:

بدأ لوك في الفصل الأول من كتابه بمهاجمة فكرة المبادئ الفطرية أو الضرورية التي تنفصل عن التجربة، وحاول تفنيدها في فصله هذا كتمهيد لإثبات أنه لا يعتبر مصدرًا معرفيًا، بل التجربة هي المصدر الوحيد.

            فيرى بأن المبادئ المجردة التي يُدَّعى وجودها ليست معروفة عند الأطفال والمعاتيه، فيقول عن قانون الهوية وعن قانون عدم التناقض:

"إن هذه الأقوال أبعد كثيرًا عن أن تكون حظيت بقبول شامل، نظرًا لأن هناك قسمًا كبيرًا من البشر لا يعرفون الكثير عنها، بل يجهلونها تمامًا. إذ من الواضح، أولًا: أن الأطفال والمعتوهين كلهم ليس لديهم أدنى فكرة أو فهم لتلك الأشياء، وافتقادهم لذلك يكفي لتدمير فكرة ذلك القبول الشامل الذي لا بد من أن يكون الملازم الضروري للحقائق الفطرية كلها". ويضيف: "ذلك يبدو لي أشبه بالتناقض أن نقول: هناك حقائق تنطبع في الروح التي تتلقاها، وفي الوقت نفسه لا تفهمها، فالانطباع، إن كان ليدل على شيء، فإنه يدل على جعل حقائق معينة مدركة ومفهومة، ذلك أن انطباع أي شيء في الذهن من دون أن يدركه العقل، يبدو لي أمرًا من الصعب فهمه. لذلك إن كان للأطفال والمعتوهين أرواح ولديهم أذهان فيها تلك الانطباعات فإنه ينبغي أن يدركوها لا محالة، وأن يعرفوا ويقبلوا بالضرورة تلك الحقائق، لكن بما أنهم لا يعرفونها ولا يقبلونها، إذًا من الواضح أنه ليس هنالك انطباعات كهذه". (لوك، 2019، 128-129).

            كما ينكر وجود فكرة الإله عند بعض القبائل البدائية في خليج سولدانيا وفي البرازيل والكاريبي بناء على أخبار تناقلها بحارة، وهذا -من وجهة نظره- يطعن في فطرية وجود إله معين، وإن كان هو يؤمن بها ويراها نتيجة منطقية. (لوك، 2019، 169).

والتجربة الداخلية من التفكير عند لوك مختلفة بشكل كبير عن معنى التجربة عند الحسيين المغالين في الحسية، فأمثال هوبز وكوندياك لا يرون شيئًا سوى الحس كمصدر وحيد للمعرفة، إلا أن لوك خالفهم في ذلك، وإن كان يؤكد على أن المصدر الوحيد هو الحس، إلا أنه يتوسع في معنى الحس هذا، جاعلًا إياه مشتملًا على عنصر آخر مع الحس، وهو التفكير، فكان التفكير والحس معًا مكونًا للمعرفة، وإن كان كلاهما يعودان بطريقة أو بأخرى إلى التجربة. ويمكن ملاحظة أن هذا التوسع عند لوك قد دفعه إلى نوع من التفاهم مع الاتجاه العقلي الذي سبق أن انتقده بشدة، وبشكل خاص ما يتعلق بالمبادئ العقلية الضرورية، فاعترف على مضض بفكرة الجوهر الذي كان غامضًا بالنسبة له والذي يكمن وراء ظواهر الأشياء، ولا سبيل لإدراكه سوى بالبرهان العقلي، ولا يجد الحس إليه سبيلًا. (راوية، 1996، 43).

فموقف لوك من التجربة الحسية ملخصها:

1.                  وجود جزء مادي محسوس.

2.                  أن ندرك ذلك الجزء المحسوس بإحدى حواسنا الخمس الظاهرة.

3.                  يتم من خلال المخ ومراكزه الحسية من معرفة صفاته الحسية، سواء كان طعمًا أو رائحة أو لونًا أو صلابة أو غيرها.

4.                  وعليه يتم تكوين فكرة عنه في الذهن. (راوية، 1996، 41).

فعملية التأمل والتفكير في هذه المحسوسات تنشئ لنا معرفة في هذه الأشياء المحسوسة، فتناولنا لبرتقالة محددة اللون والطعم والرائحة والملمس وتأكيدنا تلك الصفات السابقة بأنها صفات للبرتقالة هي نتيجة عملية استبطان وتأمل ليس حسيًا بل ذهنيًا حول هذه الصفات، وبهذا الاعتبار تكون المدركات الحسية هي حصيلة عقلية نتجت عن التزاوج بين الحس والملكات العقلية من التجريد والتبسيط والتركيب والتذكر وغير ذلك من القدرات العقلية.

وتجريبية لوك قد وجدت لها صدى عند فلاسفة آخرين كانوا تلامذة تجاوزوا أستاذهم في تجريبيته حتى أدى بهم إلى الشك كنتيجة طبيعية.

أبرزهم ديفيد هيوم الذي تجاوز فكرة (الميل إلى الشك) إلى تبني الشك في المعارف كلها.

"يدور تفكير هيوم على تحليل المعرفة كما تبدو للوجدان خالصة من كل إضافة عقلية، وفقًا للمبدأ الحسي، وعلى تقدير قيمة المعرفة تبعًا لهذا التحليل ومن جهة صلاحيتها لإدراك الوجود مع العلم، بأن شيئًا لا يحضر في الذهن إلا أن يكون صورة أو إدراكًا، على ما يقضي به المبدأ التصوري، فمذهبه يرجع إلى نقطتين: حسية وتصورية، كمذهب لوك ومذهب باركلي، إلا أنه أدق تطبيقًا للمبدأين وأكثر جرأة في مواجهة نتائجهما الشكية، حتى أعلن الشك صراحة". (كرم، 2017، 182).

ومذهب باركلي يلخصه صاحبه قائلًا: "فمن الواضح أن الأشياء المحسوسة، بالنسبة إليَّ، وتبعًا للحجج التي سقتها لك وسلمت أنت بها، لا وجود لها إلا في العقل أو النفس". (باركلي، 2015، 104).

ويتضح ذلك في محاولة هيوم في كتابه الذائع الصيت (مبحث في الفاهمة البشرية) في التشكيك في أمور -إن تم التسامح في التشكيك فيها فلن يبقى شيء إطلاقًا يمكن الوثوق به، وجاء على ذلك بأمثلة منها، أن إيجاد ساعة في منطقة خالية من البشر لا يدل بالضرورة على أن أناسًا كانوا هنا، فلا تلازم -من وجهة نظر هيوم- بين هذا وذاك، فهذا وغيره من أمثلة هيوم تجعله في مصاف الشكاك الذين يجعلون السببية محلًا للشك، وإنكار الاقتران اللازم بين وجود الأثر على وجود المؤثر. (هيوم، 2008، 49-53).

أما كوندياك الفرنسي فهو الآخر أبعد من لوك الإنكليزي في حسيته، فالإحساس الخارجي هو المعنى الوحيد للتجربة عنده، والتفكير عنده ليس مصدرًا أصيلًا من مصادر المعرفة، وقوانا النفسية يكفيها أن تشعر بالأشياء ظاهريًا، وضرب لذلك مثالًا عن تمثال حي داخل آخر من الرخام، فإن قمنا بتكسير الرخام في موضع حاسة الشم مثلًا وهي الأنف فإننا قد فتنا نافذة للتمثال الحي على استخدام حاسة الشم فقط، وهي أدنى الحواس، فإن اشتم رائحة وردة مثلًا فإن كل شعوره سيدور حول هذه الرائحة، وحتى مع انقطاع الرائحة لكن انتباهه لتلك الرائحة سيبقى، وهي ما يسمى الذاكرة. (كرم، 2012، 196).

3. نقد فلسفة لوك التجريبية

3. 1. موقف العقليين من التجربة وأهميتها:

لا يمكن إنكار ما لهذه الفلسفة من تأثير كبير على التاريخ الفلسفي وأثرها الواضح على العقل والحد من تأليهه قبل جون لوك، إلا أنه وكشأن أي فلسفة وضعية لا بد أن تعتريه نقائص وتفوته الكثير من النقاط المهمة التي لا يمكن تجاوزها فيؤثر في النتيجة المتوصل إليها.

            فأهمية الحس ومحوريته في العملية المعرفية يجب ألَّا تقلل من أهمية العقل ومحوريته بل وأفضليته على الجانب الحسي.

 "فحينما أدرك أرسطو أن المعرفة الحسية واحترام ما تنقله الحواس والبدء بتصفح الأشياء عبر الحواس مسألة في غاية الأهمية، وأنها تشكل البداية الحقيقية والمنطقية للمعرفة الإنسانية، حينما أدرك ذلك بدأ يشتق طريقًا جديدًا في الفلسفة إلى جانب طريق أفلاطون، فقد أصبح للفلسفة وجهان، كل منهما يبدأ من أداة معينة للمعرفة، هما الوجه الحسي والوجه العقلي، ولا غنى لأحدهما عن الآخر، فالإحساس هو الذي يضع الملامح الأولى للمعرفة على طريق العقل، والعقل هو الذي يتكفل بتحليل تلك المعطيات الحسية ليكشف لنا عن الحقيقة أيًا كانت صورتها". (النشار، 2006، 70).

مما يجعل أرسطو على خلاف سقراط أيضًا الذي كان يرى أن المعارف العقلية هي الجديرة وحدها أن تسمى معرفة. (محفوظ، أمين، 2018، 88). فرؤية أرسطو "أنه إن فقدنا حسًا ما فقد يجب ضرورة أن نفقد علمًا ما". (أرسطو، 1980، 2/386).

ولا يستنتج من ذلك خلو العقل من أية أوليات، وهذا معلوم من نظرية أرسطو أنه من دعاة القبليات المعرفية، لكن نافذة المعرفة تلك تكون بالحس، وبه فقط يستطيع أن يلج إلى عالم المعرفة، لكنه لا يكون مصدرًا وحيدًا للمعرفة، بل ليس بالمصدر الموثوق دون عقل يستطيع محاكمة معطياته إلى أوليات عقلية موجودة مسبقًا، عدا القدرات العقلية الأخرى التي يضعها جون لوك بوصفها مصدرًا آخر للمعرفة بجانب الحس ويسميها الأفكار.

وعلى غرار أرسطو فهذا هو رأي خصم التجريبيين في العصر الحديث رينيه ديكارت (1650م)، والذي يرى بأن الحس خدَّاع لا يعول عليه، ولا بد من ضروريات عقلية يُرجع إليها، لا يسعنا التشكيك فيها لنقف على أرض صلبة نحاكم إليها غيرها مما تحتاج فيه إلى استدلال. (ديكارت، 2009، 137-138). ويرى بأن "العقل هو أحسن الأشياء توزعًا بين الناس بالتساوي". (ديكارت، 1968، 109).

فالعقل عند ديكارت هو المعول عليه في المعرفة اليقينية، والتي تعتمد بدورها على المبادئ الضرورية لمحاكمة المدخلات إليها.

والأوليات العقلية كما يعرفها (ابن سينا، 1938، 64): "هي قضايا ومقدمات تحدث في الإنسان من جهة قوته العقلية من غير سبب يوجب التصديق بها إلا ذواتها".

فالتشكيك في مسألة فطرية المعرفة يفتح الباب واسعًا أمام التشكيك بالضروريات العقلية التي لا يمكن استقاؤها من التجربة، وعليه فلن تكون هنالك معرفة يقينية يمكن اكتسابها عن طريق الحس والتجربة فقط، مما يجعل الشك هو المبتدى والمنتهى.

يقول ابن تيمية: "البرهان الذي ينال بالنظر فيه العلم لا بد أن ينتهي إلى مقدمات ضرورية فطرية، فإن كل علم ليس بضروري ‌لا ‌بد ‌أن ‌ينتهي ‌إلى ‌علم ‌ضروري، إذ المقدمات النظرية لو أثبتت بمقدمات نظرية دائماً لزم الدور القبلي، أو التسلسل في المؤثرات في محل له ابتداء، وكلاهما باطل بالضرورة واتفاق العقلاء من وجوه، فإن العلم النظري الكسبي هو ما يحصل بالنظر في مقدمات معلومة بدون النظر، إذ لو كانت تلك المقدمات أيضا نظرية لتوقفت على غيرها، فيلزم تسلسل العلوم النظرية في الإنسان، والإنسان حادث كائن بعد أن لم يكن، والعلم الحاصل في قلبه حادث، فلو لم يحصل في قلبه علم إلا بعد علم قبله، للزم أن لا يحصل في قلبه علم ابتداء، فلا بد من علوم بديهية أوليه يبتدئها الله في قلبه، وغاية البرهان أن ينتهي إليها". (ابن تيمية، 1991، 3/309).

2.3. نقد موقف لوك من المبادئ العقلية الضرورية:

اليقين قيمة يرغب لوك في الوصول إليها والاطمئنان إلى توافر شروطها. (لوك، 2019، 127)، لكنه سلك طريقًا منفردًا لا يؤدي إلى اليقين، وهو طريق التجربة فقط.

فحصر المعرفة ضمن حدود التجربة ينتج عنه: أولًا: تحديد للفكر البشري ضمن نطاق ضيق وهو الميدان التجريبي، فلا يبقى هنالك معنى لدراسة أي بحث متعلق بالجانب الميتافيزيقي، طالما أن التجربة بجانبيها الحسي والتأملي تعتمد على مقدمات نظرية لا ضرورية، على خلاف المدرسة العقلية التي يفتح باب الأوليات لها مجالًا واسعًا للاستدلال بها في الجانب الميتافيزيقي. وثانيًا: فإن الفكر البشري يسير عند التجريبيين بصورة معاكسة لما تقتضيه طرق الوصول إلى اليقين، إذ في حين أن المذهب العقلي ينطلق بالفكر من العام إلى الخاص معتمدًا على الاستنباط بعد تقرير ضرورية بعض أفكاره وعدم افتقارها إلى الاستدلال، فيأوي بذلك إلى برهان متين، تجد أن التجريبيين يعكسون المعادلة بالانطلاق في كل شيء من الخاص إلى العام معتمدين على الاستقراء، فيقررون القواعد والقوانين الكلية انطلاقًا من ضيق التجربة والحس، فينتج من ذلك جعل الجزئيات حكمًا على قواعد عامة وحقائق موضوعية، مما لا يدع قيمة لموضوعيتها. (الصدر، 2009، 116-117).

فمن حيث التأسيس الفلسفي فعدم وجود معرفة فطرية محصلته عدم وجود معرفة أصلًا، فإنه إن لم يكن قانون السببية -وهو قانون عام- معروفًا لدى الإنسان قبل التجربة فلن تكون التجربة أداة لإنشاء تلك المعرفة التي تقتضي بأن كل حادث لا بد له من محدث، فتندرج من العام إلى الخاص، فالنقطة التي بدأت منها المعرفة يجب أن تنتهي إلى شيء لا يفتقر إلى الاستدلال، بل يُعرف بداهة، وإلا لزم أن نتسلسل في الاستدلال إلى ما لا بداية، وبالتالي فلن نستطيع التحصل على معرفة أساسًا، أما وقد حصلنا على تلك المعرفة، فهذا يقتضي بأن هنالك معرفة لا تحتاج إلى استدلال أدت إلى عرض العقل لتلك المعطيات الحسية على تلك المعارف القبلية لمعرفة مدى صحتها من عدمها.

وهذا ما أدى بالغزالي -رحمه الله- إلى الركون إلى المكون الفطري في مدة شكه المنهجي، إذ تجده يتسلسل في إنكار مصادره المعرفية، ومنها الحس، ليختبر مدى قدرتها على إيصاله إلى المعرفة اليقينية، فشك في الحس بحجة أنها تخدع في أحيانٍ كثيرة، فقد ترى شيئًا على غير حقيقته، وتسمع شيئًا على غير حقيقته وغير ذلك من انخداع الحواس بالعوامل الخارجية. وشك بأحكام العقل كونها يمكن انخداعها أيضًا، فيقول بعد أن شكك في المحسوسات أن الأمر قد ينطبق على العقليات، فيقول:

"فقالت المحسوسات: بم تأمن أن تكون ثقتك بالعقليات كثقتك بالمحسوسات وقد كنت واثقًا بي، فجاء حاكم العقل فكذَّبني، ولولا حاكم العقل لكنت تستمر على تصديقي؟! فلعل وراء إدراك العقل حاكمًا آخر، إذا تجلى.. كذَّب العقل في حكمه، كما تجلى حاكم العقل فكذب الحس في حكمه، وعدم تجلي ذلك الإدراك لا يدل على استحالته!... فلما خطرت لي هذه الخواطر، وانقدحت في النفس.. حاولت لذلك علاجًا فلم يتيسر، إذ لم يمكن دفعه إلا بدليل، ولم يمكن نصب دليل إلا من تركيب العلوم الأولية، فإذا لم تكن مسلمة.. لم يمكن ترتيب الدليل". (الغزالي، 2015، 51-53).

فأدرك رحمه الله أن دفع ذلك لا يكون إلا بوجود أوليات يمكن الركون إليها كونها لا تحتاج إلى استدلال. ويضيف: "فإن الأوليات ليست مطلوبة، فإنها حاضرة، ‌والحاضر إذا طلب.. فُقِد واختفى". (الغزالي، 2015، 55):

ومع أنه رحمه الله قد مال إلى طريق الكشف في نفي السفسطة تلك، لكنه قد أقام قبله الدليل البرهاني على أن عدم وجود أوليات عقلية يؤدي بالضرورة إلى عدم إمكان تكوين استدلال صحيح.

1.2.3. لوك وقضية الإيمان بالله ومحاولة نقض فطريتها:

يرى لوك "أن نبني إيماننا بالله على الآيات البينات على كمال حكمته وقدرته... فيما خلق وأبدع... أعني الخبرة". (ديورانت، 1988، 34/55). (لوك، 2019، 169-176).

وتعد هذه من المفارقات الصريحة في فلسفة لوك، إذ أنه يعتمد على قانون السببية وهو قانون عقلي قبلي لا يمكن استقاؤه من التجربة بحال، فدليل الخلق يندرج ضمن الدليل الكلامي (دليل الحدوث)، والإبداع يندرج ضمن دليل العناية وهو دليل عقلي مستنتج بدوره من مبدأ السببية بطريقة (العلة الغائية)، وهو بلا شك مبدأ عقلي أولي.   

إذن لوك هنا ينكر أية معرفة أيًا كانت خارج التجربة، حتى فكرة وجود الله تعالى عند لوك والتي يؤمن بها بشدة، لكنه يؤكد أنَّ فطريتها وهم، بل عرفناه عن طريق الاحتكاك بالواقع والاطلاع على الأدلة بحواسنا الظاهرة والباطنة. ويبدو كما يصفه (راسل، 2020، 751) أنه "دائمًا يرغب في التضحية بالمنطق بدلًا من أن يصبح كلامه مفارقة".

وفكرة لوك حول هذا الموضوع تتلخص في أنه ينكر قضية معرفة الله تعالى عن طريق الفطرة بحجة أن الأطفال لا يعرفونه ويختلفون في التعبير عنه، كما أن هنالك قبائل بدائية في أماكن نائية لا تعرف شيئًا عن الإله -هذا ما يدعيه لوك-، وكذلك الأمر بالنسبة لمبادئ عقلية ضرورية كمبدأ الهوية ومبدأ عدم التناقض والثالث المرفوع وغيرها من المبادئ التي يعرفها العقل كممارسة وإن لم يكن الجميع يعرفها كتأسيس نظري. ولوك بذلك ينحو منحى خاطئًا في التعامل مع مفهوم الفطرة التي تدعو إليها الفلسفات العقلية.

والفكرة الدينية عمومًا والإسلامية خصوصًا تؤكد على عدة مستويات للفطرة، وما يتعلق بالدين وبمعرفة الله تعالى هي فكرة موجودة في كل مولود، والتأكيد على ذلك مذكور في النصوص المؤسسة لهذا الدين سواء في القرآن الكريم أو السنة النبوية الصحيحة، ولكن الإيمان بالأفكار القبلية وبدهيتها تؤكد على أنها مغروسة فينا بالقوة، وأنها تتمظهر لاحقًا عند وجود الداعي والاحتكاك بالواقع، فهي تعتبر النقطة التي تبدأ منها المعرفة، ثم تتفرع إلى المعارف اللاحقة التي عند الرغبة في التحقق من صدقيتها نرجعها إلى مبادئ ضرورية لا يختلف عليها اثنان، وإرجاعها إلى التجربة يعتبر شيئًا من التحكم الذي لا تثبته الوقائع المادية، والدراسات الأنثروبولوجية.

فاحتجاجه ببعض الأخبار عن بعض البحارة حول بعض القبائل البدائية بأنها لا تعرف شيئًا عن فكرة الإله أو الدين، فهذا ما لا نسلم له به، فيكاد يجمع الناس على أن فكرة الإله هي فكرة عالمية لا يشذ منها قوم أو بلد في أي حضارة كانت.

"إن الأغلبية الساحقة من الثقافات وكذلك الأغلبية الساحقة من الشعوب تؤمن بنوع ما من الإله أو الآلهة، فلو اعتبرنا الآلهة كل الكائنات ذات الإرادة والتي تملك مواصفات خاصة لا يملكها البشر ولا الحيوانات مثل (كونها لا مرئية، أو أبدية، أو تشكلت من البرونز) فإن الإيمان بالآلهة قد حدث في كل عصر وفي كل حضارة، وتتمتع الكثير من الحضارات بالتدين لدرجة يبدو معها أن وجود دين من نوع ما هو تعبير بشري طبيعي". (باريت، 2016، 26).

"فلم تنشأ العقيدة الدينية عن تلفيقات أو ألاعيب كهنوتية، إنما نشأت عن ‌فطرة ‌الإنسان بما فيها من تساؤل لا ينقطع وخوف وقلق وأمل وشعور بالعزلة". (ديورانت، 1988، 1/117).

ويقول ديورانت أيضًا بعد أن يسرد أقوالًا عن بعض من تخبط في مفهوم الصانع ووجود الإله في بعض القبائل البدائية: "على أن هذه حالات نادرة الوقوع، ولا يزال الاعتقاد القديم بأن الدين ظاهرة تعم البشر جميعاً اعتقاداً سليمًا؛ وهذه، في رأي الفيلسوف، حقيقة من الحقائق التاريخية والنفسية". (ديورانت، 1988، 1/99). على أن تلك القلة النادرة التي تحدث عنها ديورانت مشكوك في وجودها، وقد أكد ذلك مجموعة من الفلاسفة وعلماء للاجتماع ومؤرخون كما نقله (دراز، 2017، 83-84).

هذا بالنسبة للقبائل البدائية التي ادعى لوك بعدم تصورهم لأي معنى عن مفهوم الألوهية.

2.2.3. حجة عدم إدراك الأطفال والمعاتيه والبدائيين لأي ضرورات عقلية، والإلزامات الموجهة ضد التجريبيين:

يرى لوك -كما ذكرنا سابقًا- عدم امتلاك الأطفال والمعتوهين والبدائيين أي فكرة ليس فقط عن مفهوم الألوهية، بل حتى عن الضرورات العقلية التي لا يختلف عقل اثنان حولها، كقانون السببية وعدم التناقض والثالث المرفوع. (لوك، 2019، 128-129).

            ومشكلة لوك أنه يستبق الحكم دون أن تكون لديه إمكانية لقياس ذلك تجريبيًا حتى. "غالبًا ما يكون الأطفال الصغار غير قادرين على فهم المواد التجريبية المعقدة أو اتباع التعليمات الشفهية المعقدة. الأطفال الصغار أيضًا يفتقرون إلى الخبرة في استبطان أفكارهم والتعبير عنها. ولما كانت المقارنات التطويرية صعبة بدرجة كافية، فلا يزال من الصعب قياس التطور عبر المجتمعات".   (Chudek. et al, 2017, p 355).

ولكن فيما يتعلق بالأطفال فيمكن الجزم بأن كثيرًا من الممارسات التي يقوم بها الرضع إنما تدل صراحة على معرفتهم لأمور دون أن يمروا بتجارب، إذ يكفيك أن تناغي أي رضيع حتى تجده يتجاوب معك بطريقة بدهية، وخاصة في علاقته بالأم، فهنالك علاقة سببية ضرورية بين هدوئه وقربه من أمه، وكيفية تعامله مع الواقع بأبسط أشكاله تجده يدرك خصائص الأشياء الفيزيائية بكل سهولة ويُسرّ بمجرد احتكاكه بالواقع دون أن يكون بحاجة لتكرار تلك الممارسات، فيعممها دون استقراء لمثيلاتها. يقول الدكتور جاستن باريت الذي قام بتجارب على مئات من الأطفال من دول وحضارات مختلفة، ومن خلفيات ثقافية متنوعة، وأعمار متفاوتة:

"فلو كنتُ طفلًا لا يدرك أن الأجسام الصلبة لا يمكن أن تمر من خلال بعضها البعض، فقد أحاول المرور من خلال باب مغلق بدلًا من فتحه أولًا، أو ربما حاولت تمرير يدي عبر خزانة مغلقة لأحصل على لعبة، وما لم أدرك أن الأشياء المادية يجب أن تكون محمولة فقد أترك كوب العصير في الهواء متوقعًا منه أن يبقى معلقًا". (باريت، 2016، 37).

ويضيف في الصفحة ذاتها: "إن مجموعة المبادئ هذه التي نستخدمها تلقائيًا عندما نفكر بالأجسام المادية اصطلح الناس على تسميتها بالفيزياء البسيطة (Naïve Physics)، وتشبه الفيزياء العادية لكنها أكثر بساطة وعفوية منها، وهي نوع من الفيزياء الذي لا نحتاج إلى تعلمه". (باريت، 2016، 37).

إذن وبناء على الفكرة العقلانية عمومًا فإن هنالك نوعان من المعقولات:

1. إحداهما بدهية ضرورية لا تحتاج إلى نظر واستدلال.

2. والأخرى تحتاج إلى نظر واستدلال.

فالاحتكام إلى التجربة يؤدي بنا ضرورة إلى التسلسل اللانهائي، فلا بد أن تكون هنالك نهاية لسلسلة الاستدلالات بحيث توجد مبادئ يمكن الرجوع إليها والاستدلال بها ولا يمكن الاستدلال عليها، وإلا لزم الدور والتسلسل الممتنع عقلًا.

فإن القول بأن التجربة هي التي أمدتنا بهذه المعارف فذلك إنما كان عن طريق الاستقراء، ومعلوم أن الاستقراء التام في هذه المواضع قليل جدًا مقارنة بالمجالات التي لا بد أن الاستقراء فيها يكون ناقصًا، وهذا يفتح الباب واسعًا أمام من يريد الطعن في النتائج بمجرد أن يحتج عليك بفكرة أن هذه إنما عرفت -باعتراف لوك- عن طريق التجربة، وتجربتك ناقصة بالضرورة، مما يؤدي إلى عدم اليقين بداية، فهي قائمة على الترجيح. يقول رايشنباخ: "وتنتمي دراسة الاستدلال الاستقرائي إلى نظرية الاحتمالات، إذ أن كل ما تستطيع الوقائع الملاحظة أن تفعله هو أن تجعل النظرية محتملة أو مرجحة، ولكنها لا تجعلها ذات يقين مطلق أبدًا". (ريشنباخ، 2004، 211).

"التجربة لا تعطي أبدًا لأحكامها كلية دقيقة حقيقية، بل فقط كلية مفترضة ونسبية (بالاستقراء) لا معنى لها غير هذا، أعني أن ملاحظاتنا، مهما تكن عديدة حتى الآن، فإنها لم تعثر على استثناء لهذه القاعدة أو تلك، وتبعًا لذلك فإن الحكم المتصور أنه ذو كلية دقيقة، أي بحيث أنه لا يقر بإمكان ورود أي استثناء عليه لا يشتق من التجربة، بل هو صادق صدقًا قبليًا مطلقًا". (بدوي، 1977، 175-176).

كما أن المذهب التجريبي يعتمد على الدور، إذ حينما يقال بأن المصدر الوحيد للمعرفة الجدير بالثقة هو التجربة فهذا لم يعرف عن طريق التجربة، فالكلام هنا يناقض نفسه. فهذه قاعدة وركيزة أساسية يستند إليها المذهب التجريبي، وهي أن المعرفة إنما هي مستمدة من التجربة، فحينها يحق للمقابل أن يسأل عن صوابية هذه القاعدة، وهل هي مضطردة مع كل معرفة؟ فإن كانت الإجابة أجل، فهل معرفتنا بهذه المقولة مكتسبة من التجربة أم من شيء آخر؟ وإن كانت من التجربة، فأين تجد لها موضعًا ضمن الحقل الاستدلالي التجريبي؟! ومن الواضح أنها ركيزة مثبتة لديهم دون تجربة، إذ لو كانت التجربة هي التي تثبت التجربة فذلك يعني دورًا ممتنعًا، وعليه فإن تجريبيتهم من أساسها تعتمد على ضرورة عقلية فطرية.

والتعلل بالحدس الذي يقول به لوك ويظنه أشبه بالضمانة هو دعوى بغير دليل، ولا تنسجم مع تجريبيته، فأن نعلم على سبيل المثال عن طريق الحدس بوجود الله تعالى ثم نستدل عليه بالتجربة بأن نقول بأن كل حادث لا بد له من محدث وننتهي إلى العلة الأولى بتعبير الفلاسفة الذي هو (الله) تعالى! فهو هروب من فطرية المعرفة إلى الحدس للخروج من المأزق الذي تؤكده الكثير من المعارف التي لا يمكن إرجاعها إلى المعارف الحسية والباطنية إنما هو كمن يستجير من الرمضاء بالنار.

والملاحدة المتأثرون بالفلسفة التجريبية لا يستطيعون إنكار أن عدم الإيمان بوجود هذه المبادئ وبالتالي عدم الاعتقاد باطرادها يلزم منه بالضرورة امتناع المعرفة أساسًا، لذا هم يقولون بالإيمان بها براغماتيًا، وإن تعذر التأسيس لها فلسفيًا بالبرهنة عليها.

لكن يمكن أن نرى الشبه بين رؤية ديكارت ولوك فيما يتعلق بطبيعة تلك الأفكار التي يتبنونها، فجون لوك كتجريبي -على أقل تقدير- يؤمن بإمكان اليقين المعرفي وإن كان يسلك إليه بطريقة فيها مفارقة، وهو بذلك يجتمع مع ديكارت والعقلانيين في مسألة إمكان اليقين بل وإثباته في حق الله تعالى على سبيل المثال، لكن العقلانيون يثبتونها عن طريق دعوى فطريتها، أما جون لوك والتجريبيون من خلفه يدَّعون اكتسابها عن طريق التجربة ومعالجة الحواس. (ستانفورد، مقالة، 9).

            فكلا الاتجاهين العقلي والتجريبي يشتركان -على الأقل- في ضرورة تحكيم العقل في مسائل الميتافيزيقا، وإن كان لكل طريقته في تعامله مع ذلك العقل. (Kaufman, 2005, p 136).

إذن جون لوك يعترف بعجز التجربة لوحدها عن تفسير الأفكار والنتاج الفكري، بل لا بد للعقل من التدخل لتنظيم تلك المعطيات التجريبية وتحليلها ثم تكوين الأفكار من خلال تلك العملية.

ولابن سينا استدلال تصوري معين على أن هنالك معرفة يمكن استقاؤها دون القدرة على التشكيك فيها تسمى بنظرية الرجل المعلق في الهواء، وذلك بإثبات وجود النفس دون الحاجة إلى الحواس، وهي معرفة حدسية يؤمن لوك بكونها مصدرًا للمعرفة مع افتقارها إلى الحس في الوقت ذاته، وخلاصتها أن الإنسان إن تجرد من جسمه وانسلخ عنها ولم يبق له تعلق بشيء من المحسوسات وكان كالمعلق بالهواء ما استطاع إلا أن يشعر بالأنا، فلا يمكنه إلا أن يوقن بوجوده وآنيته.

يقول في كتاب الإشارات والتنبيهات: "ارجع إلى نفسك وتأمل هل إذا كنت صحيحًا، بل وعلى بعض أحوالك غيرها، بحيث تفطن للشيء فطنة صحيحة، هل تغفل عن وجود ذاتك؟ ولا تثبت نفسك؟ ما عندي أن هذا يكون للمستبصر. حتى إن النائم في نومه، والسكران في سكره، لا يعزب ذاته عن ذاته، وإن لم يثبت تمثله لذاته في ذكره، لو توهمت أن ذاتك قد خلقت، أو خلقها صحيحة العقل والهيأة، وفرض أنها على جملة من الوضع والهيأة، لا تبصر أجزاءها، ولا تتلامس أعضاؤها، بل هي منفرجة ومعلقة لحظة ما، في هواء طلق، وجدتها قد غفلت عن شيء، إلا عن ثبوت أنيتها". (ابن سينا، الإشارات، 1950، 2/343-345).

فما يثبته ابن سينا هنا بالإضافة إلى وجود النفس دون حاجة إلى استدلال خارجي، فهو يثبت أيضًا بالتبعية معرفة غير مستندة إلى حاسة من الحواس، ولا حاجة بها إلى تجربة لكي يدرك الإنسان وجوده.

وهو شبيه بفكرة الكوجيتو الديكارتي الذي يحاول بشكه في كل شيء الوصول إلى معرفة لا يتطرق إليها الشك لا تعتمد على الحس أو العقل، فيصل إلى نتيجة أن مجرد التفكير تثبت أن هنالك ذات مفكرة، فينطلق من تلك الفكرة لإثبات البديهيات العقلية.

والفكرة هنا أن استطاعة الذات المدركة من التحصل على المعرفة خارج أسوار الحس يدل بالضرورة على عدم احتكار الحس واستيلائها على كافة منافذ المعرفة عند الإنسان.

وجون لوك يقول بأن العقل طالما أنه يحمل أفكارًا فطرية يعرفها العقل مسبقًا، فلا داعي لاكتشافها إذن، ويقول بأن الأمر يتساوى إن قلنا بأن الإنسان يعرف تلك المعارف ولا يعرفها في ذات الوقت. وهذا تناقض. (لوك، 2019، 129).

إن مشكلة جون لوك أنه يُقوِّل العقلانيين ما لم يقولوه، "وهو يظن أن الغريزية تعني وجود معان صريحة وقضايا صريحة في الذهن منذ الميلاد، ولم يقل ديكارت ولايبنتز شيئًا مثل هذا، وهو يظن كذلك أن الغريزية تدع مجالًا واسعًا للتقدير الشخصي ما دامت معرفة باطنة، فلا يريد أن يتركها تعبث بنظرية المعرفة وتنكر وجود الله، وهما الأمران الضروريان لاتفاق العقول وطمأنينتها". (كرم، 2012، 148).

هنا لم يحرر لوك القول، ولا يتحمل القائلون بالفطرة والأفكار القبلية بعض تصورات ديكارت، فما نزعمه هو أن الضروريات العقلية موجودة لكنها ضامرة، تحتاج إلى دافع، فعند توفر الدواعي تخرج تلك المعارف للعلن، ويتذكرها العقل ويرجع المعارف المكتسبة إليها للتأكد من صحتها من عدمها.

يقول (الغزالي، 1961، 231): "فيبقى قولهم: إن تلك الأوائل كيف كانت موجودة فينا ولا نشعر بها أو كيف حصلت بعد أن لم تكن من غير اكتساب ومتى حصلت؟ فنقول: تيك العلوم غير حاصلة بالفعل فينا في كل حال، ولكن إذا ‌تمت ‌غريزة العقل فتيك العلوم بالقوة لا بالفعل، ومعناه أن عندنا قوة تدرك الكليات المفردات بإعانة من الحس الظاهر والباطن".

وأفلاطون يقول بأننا أنسيناها، والتعلم هي عملية تذكر، والجهل هو النسيان. (أفلاطون، 2022، 91).

ولدينا في التصور الإسلامي ما يعضد ذلك، قال تعالى: )والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون (، [النحل: 78].

فهذه الآية وإن كان ظاهرها قد يدل على أن الإنسان صفحة بيضاء -بتعبير لوك- وتأتي التجربة عن طريق الحواس بإمدادها بالمعلومات، إلا أننا نؤكد على شيء آخر تمامًا بناء على نصوص أخرى كثيرة تؤكد على فطرية تلك المعرفة ثم عند توفر داعي الفطرة يتم التأكد من صحة المعطيات المعروضة عليه من خلال التجربة.

ولدينا هنا خصم جون لوك الفيلسوف الألماني غوتفريد ليبنتز الديكارتي والجامع بينهما أيضًا حيث أنه "انتهى إلى القول بأن المعرفة فطرية ومكتسبة، فطرية بمعنى أن الذهن لديه القدرة على معرفتها وأن هذه المعارف تنبثق من داخل الوحدة العنصرية، ومكتسبة بمعنى أنها تتأثر بما تثير إدراكاتها للعالم الخارجي وما تمدها به تجاربها من مادة خام تتيح الفرصة لنقل ما لديها من أفكار موجودة بالقوة إلى الوجود بالفعل". (ليبنتز، 1983، 63).

فالقول بفطريتها لا يعني أنها في غنى عن الحواس، بل الحواس نافذتها ولا بد منها لتفعيل تلك المعرفة وترجمتها عمليًا.

وعندما يفسر التجريبيون أن اختلاف العقول إنما يرجع لاختلاف التنشئة الاجتماعية واختلاف التجارب الإنسانية كما يصرح بذلك لوك (لوك، 2019، 175)، فالسؤال الذي يشكل مأزقًا للفلسفة التجريبية هي لماذا تتفق العقول؟! وإلى ماذا يرجع ذلك الاتفاق؟!

كيف يمكن لتلك العقول أن تنظر إلى المعطيات الواردة عن طريق الحواس المختلفة بطريقة تجعله يدرك حقيقتها؟! وما الرابط الذي يجمعها لتشكيل معرفة تتعاضد الحواس على تأكيدها؟! فما الذي تمتلكه الحواس من الناحية الوجودية التي تُمَكنه من أداء تلك الوظيفة المشتركة في إيصال المعرفة الصحيحة؟! ((Marmodoro, 2011, p 234.

فقد نفهم من التجربة اختلاف الناس وعدم اتفاقهم على مفاهيم معينة، ولكن اتفاقهم في الكليات التي أخذوها من الجزئيات عن طريق الاستقراء -الناقص ضرورة- يجعل الأمر راجعًا إلى شيء خارج عن التجربة، فكان -والحال هذه- حريًا بهم أن يختلفوا في كل شيء، أما اتفاقهم فلا تفسير له ضمن الدائرة التجريبية.

"واعتراف لوك بقوة التذكر يجعله معترفًا ضمنًا بفعالية العقل وإيجابيته، كما يجعله معترفًا إلزامًا بأن هنالك معلومات سابقة بديهية قبل التجربة، مختزنة في الذاكرة أيًا كان مصدرها، وإن كان لوك يرد كل عمليات العقل من تمييز ومقارنة وربط واستخدام الأسماء وتجريدها إلى التجربة، ومن ثم فدور العقل سلبي وقابل في المذاهب التجريبية". (الكردي، 1992، 616).

وهناك إشكالية أخرى عند لوك وهي فكرة الجوهر، إذ إنه ينكر المعرفة خارج التجربة، لكنه يرى أن لكل شيء جوهر يتميز به، فارتباط الصفات يحتاج إلى جوهر يربطها وإن لم تكن واضحة، فمثلاً إن إطلاق لفظ الشجرة على ذلك الشيء المعروف يجعلنا نطلق ذلك على أشياء مشابهة لها، ولكنها ليست مطابقة لها، فما هو ذلك القدر المشترك الذي يجعلنا عندما نرى أي شجرة نطلق عليها هذا اللفظ؟! فعند لوك يقر بأنه لا يستطيع الجزم بماهية ما يسمى الجوهر، وبالطبع ففكرة الجوهر هذه تتعارض مع توجهه الحسي. ولديك نوع من المصادرة على المطلوب عند لوك حينما يصف الجوهر بأننا لا نستطيع أن نميزه، فيقول بأن فكرة الجوهر لا تدل على أي شيء، لماذا؟ لأننا لا نستطيع أن نحتكم في معرفتها لإحساس أو تفكير!! فهي فكرة غير واضحة بالنسبة له. (لوك، 2019، 177).

فــ"المفهوم الفلسفي الذي يرتكز على المذهب التجريبي يعجز عن إثبات المادة، لأن المادة لا يمكن الكشف عنها بالتجربة الخالصة، بل كل ما يبدو للحس في المجالات التجريبية إنما هو: ظواهر المادة وأعراضها، وأما نفس المادة بالذات- الجوهر المادي الذي تعرضه تلك الظواهر والصفات- فهي لا تدرك بالحس، فالوردة التي نراها على الشجرة أو نلمسها بيدنا إنما نحس برائحتها ولونها ونعومتها، وحتى إذا تذوقناها فإننا نحس بطعمها، ولا نحس في جميع تلك الأحوال بالجوهر الذي تلتقي جميع هذه الظواهر عنده، وإنما ندرك هذا الجوهر ببرهان عقلي يرتكز على المعارف العقلية الأولية". (الصدر، 1991، 119).

4. النتائج

ويمكن تلخيص النتائج التي توصل إليها البحث على النحو الآتي:

1.4. التجربة عند لوك هي مدرسة غير متطرفة في تجريبيتها، إذ أنها تجعل للعقل دورًا في اكتساب المعرفة، وإن كان دورها هو مجرد التحليل للمعطيات الحسية وتركيبها وتجريدها وتشخيصها. على خلاف هيوم وهوبز وكوندياك.

2.4. ينكر لوك بشدة وجود معارف فطرية عند الإنسان سابقة على التجربة تولد معه، بل كل ما يزعم العقلانيون أنها معارف فطرية عند الإنسان يرى لوك بأننا نستطيع أن نردها جميعًا إلى الحس والتجربة.

3.4. يرى لوك بأن من أبرز الطعون في المعرفة الفطرية هي أن الأطفال والمعاتيه وقبائل بدائية معينة لا تعلم عنها شيئًا حسب ظنه، وهذا يطعن في قبليتها ورسوخها في العقل قبل التجربة.

4.4. عدم وجود تلك المعارف بداية عند الأطفال والمعاتيه والبدائيين فذلك غير مسلم به، بل المؤكد خلافه، إذ أن هنالك ممارسات وبحوث وتجارب أجريت على الأطفال تثبت معرفتهم للإله، وعمليات عقلية يقومون بها تؤكد علمهم بمعارف فطرية، وهم يمارسونها في مراحل مبكرة جدًا من حياتهم دون أن يؤسسوا لها نظريًا.

5.4. أما المعاتيه فالعبرة بالأصحاء لا بالمجانين والذين لديهم خللٌ ما في أدواتهم العقلية، وحتى ذلك لا يسلم به أصحاب الاتجاه العقلي، إذ لا يوجد ما يثبت دعوى التجريبيين، بل الظاهر أنهم يعلمون كثيرًا من المبادئ الأولية يطبقونها في حياتهم اليومية، وإن كانوا لا يعرفونها بمسمياتها التي يتناولها بها المشتغلون بالفلسفة.

6.4. أما القبائل البدائية التي ينكر لوك معرفتهم بأي نوع من الآلهة أو يعتنقون أي دين، بانيًا فكرته تلك على بعض المعلومات التي استقاها من بعض البحارة في وصفهم لبعض القبائل البدائية أنهم كانوا لا يملكون أدنى فكرة عن مفهوم الإله أو الدي.. فهذا أمر لا يبنى عليه حكم، والأصح خلاف هذا التوجه، إذ لم يثبت أن هنالك أمة أو حضارة سابقة كانت لا تؤمن بأي نوع من أنواع الآلهة، بل وجود كائن متجاوز كانت السمة الطاغية على كافة الحضارات.

7.4. الاستقراء الناقص الذي يعتمد عليه لوك كلازم لتجريبيته لا يمكن أن يستقي منها اليقين الذي ينشده، فيمكن نقضه بسهولة بالادعاء بأن هذا الملاحظات لا يمكن تعميمها، على الأقل من وجهة نظر تجريبية، فليس هنالك مستند للتجربة في فكرة تعميم ملاحظات معينة على كافة الحالات المشابهة.

8.4. والقول بأن التجربة هي المصدر الوحيد للمعرفة الجدير بالثقة هو قول غير خاضع للتجربة، وعليه فهو مفتقر للتدليل عليه من مصدر غير تجريبي.

9.4. لم يستطع لوك تجاوز معضلة الجوهر، إذ أنها لا تخضع لأي أداة حسية، فقام بمحاولة إنكارها بحجة عدم الاستطاعة على التدليل عليها عن طريق الإحساس أو التفكير، وذلك في محاولة لإثبات ما ليس بمادي عن طريق التجربة فقط، وهو موضع الخلاف في الأساس.

5. المصادر والمراجع

1.5. الكتب:

1.         ابن تيمية، تقي الدين أبو العباس. (1991). درء تعارض العقل والنقل، تحقيق: محمد رشاد سالم. الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

2.         ابن سینا، الحسين بن علي. (بدون). الإشارات والتنبيهات. شرح نصير الطوسي. تحقيق: سليمان دنيا. القاهرة: دار المعارف.

3.         ابن سينا، الحسين بن علي. (1938). النجاة في الحكمة المنطقية والطبيعية والإلهية. القاهرة: مطبعة السعادة.

4.         أبو حامد، محمد بن محمد الغزالي. (2015). المنقذ من الضلال والمفصح بالأحوال. بيروت: دار المنهاج.

5.         أبو حامد، محمد بن محمد الغزالي. (1961). معيار العلم في فن المنطق. تحقيق: سليمان دنيا. القاهرة: دار المعارف.

6.         أرسطو. (1980). منطق أرسطو. تحقيق وتقديم: عبد الرحمن بدوي. القاهرة: وكالة المطبوعات.

7.         أفلاطون. (2022). محاورات أفلاطون، أوطيفرون- الدفاع، أقريطون، فيدون. جمع: بنيامين جويت، القاهرة: مؤسسة هنداوي.

8.         بلكا، إلياس. (2008). الغيب والعقل، دراسة في حدود المعرفة البشرية. فرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي.

9.         باريت، جستون. (1438). فطرية الإيمان، كيف أثبتت التجارب أن الأطفال يولدون مؤمنين بالله؟. الرياض: مركز دلائل.

10.      بدوي، عبد الرحمن. (1977). إمانويل كانت. الكويت: وكالة المطبوعات.

11.      باركلي، باركلي. (2015). المحاورات الثلاث بين هيلاس وفيلونوس. القاهرة: المركز القومي للترجمة.

12.      تيس، وولتر. (1984). تاريخ الفلسفة اليونانية. القاهرة: دار الثقافة للنشر والتوزيع.

13.      لوك، جون. (2019). الأعمال الفلسفية الكاملة. ترجمة: عبد الكريم ناصيف. دمشق: دار الفرقد.

14.      هيوم، ديفيد. (2008). مبحث في الفاهمة البشرية. بيروت: الفارابي.

15.      ديورانت، ول وايريل. (1988). قصة الحضارة. بيروت: دار الجيل.

16.      راسل، برتراند. (2020). تاريخ الفلسفة الغربية. ترجمة: عبد الكريم ناصيف. دمشق: دار التكوين.

17.      راوية عبد المنعم عباس. (1996). جون لوك، إمام الفلسفة التجريبية. بيروت: دار النهضة العربية.

18.      ديكارت، رينيه. (2009). تأملات في الفلسفة الأولى. القاهرة: المركز القومي للترجمة.

19.      ديكارت، رينيه. (1968). مقال عن المنهج. القاهرة: دار الكاتب العربي.

20.      محفوظ- أمين، زكي نجيب- أحمد. (2018). قصة الفلسفة اليونانية. القاهرة: هنداوي.

21.      شاخت، ريتشارد. (1997). رواد الفلسفة الحديثة. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.

22.      الكردي، راجح عبد الحميد. (1992). نظرية المعرفة بين القرآن والفلسفة. الرياض: مكتبة المؤيد.

23.      ليبنتز، ج. ف. (1983). أبحاث جديدة في الفهم الإنساني. المغرب: دار الثقافة للنشر والتوزيع.

24.      الصدر، محمد باقر. (2009). فلسفتنا. بيروت: دار التعارف للمطبوعات.

25.      دراز، محمد عبد الله. (2016). الدين، بحوث ممهدة لدراسة الأديان. القاهرة: مؤسسة هنداوي.

26.      النشار، مصطفى. (2006). فلسفة أرسطو والمدارس المتأخرة. د. م: دار الثقافة العربية.

27.      ريشنباخ، هانز. (2004). نشأة الفلسفة العلمية. ترجمة فؤاد زكريا. الإسكندرية: دار الوفاء لدنيا.

28.      كرم، يوسف. (2012). تاريخ الفلسفة الحديثة. القاهرة: مؤسسة هنداوي.

2.5. المواقع الإلكترونية:

29.      موسوعة ستانفورد للفلسفة، المذهب العقلي والمذهب التجريبي وجهًا لوجه، موقع حكمة، أبريل، 1، 2023. بواسطة: http://bit.ly/2K8A46r

3.5. المجلات العلمية:

30.      ANNA MARMODORO (2011). The ‘common sense’ in Aristotle’s theory of perception. Journal of Philosophy and Phenomenological Research. Wiley-Blackwell. https://onlinelibrary.wiley.com/doi/10.1111/j.1933-1592.2010.00423.x

31.      Daniel A. Kaufman (2005). Between Reason and Common Sense on the Very Idea of Necessary (though Unwarranted) Belief. Journal of Philosophical Investigations. Wiley-Blackwell. p 134-158. https://onlinelibrary.wiley.com/doi/10.1111/j.1467-9205.2005.00248.x

32.       Maciej Chudek, Rita Anne McNamara, Susan Birch, Paul Bloom & Joseph Henrich (2017). Do minds switch bodies? Dualist interpretations across ages and societies. Journal of Religion, Brain & Behavior. Taylor&Francis Group. p 355-367. https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1080/2153599X.2017.1377757


 

 

 

 

 

 

 

هەست وەكو ژێدەرەكی زانینێ

خواندنەكا رەخنەیی بو ئیمبریقییا جون لوك ی

پوختە:

ئەڤ ڤەكۆلینە ئارمانجا وێ دیاركرنا فەلسەفا ئیمبریقی یە ب دیتنا فەیلەسوفێ وێ یێ پێشەنگ (جون لوك)، ئەڤێ ب تیورێستێ ئەڤێ فەلسەفێ ل جەرخێ نوی دهێت نیاسین. د هەمان دەمدا رۆژئاڤا ب تنێ ب ئەڤێ بەرچاڤكێ جیهانێ دبینیت. هەروەسا گرنگیا ئەڤێ فەلسەفێ ل سەر دیتنا تیلێۆلۆژییا مرۆڤی و پەیوەندیێن وێ دگەل جیهانێدایە. ژبەر ئەڤێ چەندێ یا گرنگە بەلگێن ئەڤێ فەلسەفێ بهێت دیاركرن ب شێوازەكێ بابەتیانە دگەل دیاركرنا ئەو  رەخنێن عەقلانی یێن كو روی ب روی وێ دبیت" ئەو ژی ب ڤەكۆلینەكا شیكاری-رەخنەیی، ب پشتبەستن ب بەلگێن عەقلی و ئیمبریقی، پابەندكرنا ئەوی لایەنی ب هەمان بەلگێن وێ یێ فەلسەفا ئیمبریقی ل سەر ئاڤادبیت، ئەف فەلسەفەیە ئەو ب خوە فاكتەرێن شکەستنا خۆ د ناڤخۆدا هەلدگریت، چونکی وەكو فەلسەفەیەكا ئیمبریقی د شیاندا نینە ئەو خوە ب تنێ وەکو رێكا راستەقینەیە بو زانینێ برێكا ئیمبریقی بسەلمینیت. هەر وەسا جون لوك باوەری ب فەلسەفەیەكا ئیمبریقی یا وەسا هەیە یا پشتبەستن ب عەقلی دكەت، دهەمان دەمدا دانپێدانێ ب هەبوونا (فیترێ) ناكەت، ئەڤا دبیت بنەمایێن عەقلی یێن سەركی. هەروەسا ئەڤ فەلسەفەیە پشتبەستنێ ب ئیندیكشنەكا نەتەمام دكەت كو تشتێن نەكەڤن بن دەسەلاتا هەستاندا دپیڤیت ل سەر ئەوان تشتێن هەستپێدكەت، لایەنێ بەرامبەر دێ شێت رەدا ئەڤان ئەنجامانان بدەت وەكو یاسایەكا گشتی بهێت سەپاندن، چونكی -ب دیتنەكا ئیمبریقی- د شیاندا نینە بهێت سەلماندن هەمی ئەو نموونەیێن نەهاتین دیتن وەكی ئەوانە كو هاتینە دیتن. ئەڤجا ئەو پشتراستبوونا جون لوكی دڤیا بەردەست نابیت. هەروەسا ڤەكۆلینێن ئەنتروپۆلۆجى یێن هاتین كرن ل سەر زارۆكان سەلماندییە ل قۆناغێن دەستپێكێ ژ ژیانا وان ئەو دشێن بابەتێ گرێدای ب بنەمایێن عەقلی یێن سەرەكیدا تێبگەهن، هەر چەندە راستیا وێ ل دەڤ ئەڤان زاروكان نەیا دیاركریە، بەلێ تێگەهشتنا وان بۆ ئەڤان تێگەهان پراكتیكییە نەکو تیورییە.

پەیڤێن سەرەكی: جون لوك، فەلسەفا ئیمبریقی، هەست، فەلسەفا عەقلی، بنەمایێن عەقلی یێن سەرەكی.

 

Sense as a source of knowledge

A mental critical study of John Locke's empiricism

ABSTRACT:

The research aims to present the empirical vision of the pioneer of its philosophy in the modern era, John Locke, because he is the theorist of it, and because it the only way which the West locking to the world, and the importance and impact of this philosophy on the skopos vision of man and his relationship with the world, in the both dimensions. Therefore, it’s necessary to provide a rational criticism to this philosophy, in a critical analytical study, with the experimental and mental evidence, and obliging the opposite party which adopt the empiricism. It was concluded that the empirical philosophy has their bears factors that refute it internally, which it cannot prove its claim through experience. In addition to, John Locke believes in a specific experience which the mind has an effective and essential role in determining its features, and denies the basic mental necessities, and proves -at the same time- the existence of the Creator and the sense of human self, which relies in the folds of his conclusion on the innate law of causation. And this philosophy dependent on an incomplete induction that measures the absent on the witness, it can be rejected as just an experiment that did not have the opportunity to find examples contrary to it, and therefore the certainty sought by John Locke is abstained. And the anthropological surveys conducted on children proved that at very early stages they realize the innate principles and the existence of a supreme being.

KEYWORDS: John Locke, experimental philosophy, sense, mental philosophy, common sense.

 



* الباحث المسؤل.

This is an open access under a CC BY-NC-SA 4.0 license (https://creativecommons.org/licenses/by-nc-sa/4.0/)